الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٧ - التّفسير
و كذلك إختيار القرآن لأنّ يكون المادة الأولى في البرنامج العبادي في الليل إنّما هو لاقتباس الدروس اللازمة في هذا الباب، و هو يعدّ من أفضل الوسائل لتقوية الإيمان و الاستقامة و التقوى و تربية النفوس، و التعبير بالترتيل الذي يراد به التنظيم و الترتيب الموزون هنا هو القراءة بالتأني و الانتظام اللازم، و الأداء الصحيح للحروف، و تبيّن الحروف، و الدقّة و التأمل في مفاهيم الآيات، و التفكر في نتائجها.
و بديهي أنّ مثل هذه القراءة تعطي الإنسان الرّشد و النمو المعنوي السريع و الشهامة الخلقية و تهب التقوى، و إذا فسّره البعض بالصلاة فذلك لأنّ أحد أجزاء الصلاة المهمّة هي قراءة القرآن.
عبارة «قم الليل» تعني النهوض في مقابل النوم، و ليس الوقوف فحسب، و أمّا ما جاء من العبارات المختلفة في هذه الآيات حول مقدار إحياء الليل فهو في الحقيقة لتبيان التخيير، و أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مخيّر في الاستيقاظ في نصف الليل أو أقل من ذلك أو أكثر لقراءة القرآن، ففي المرحلة الأولى يذكر الليل كلّه إلّا قليلا منه، ثمّ يخففه ليوصله إلى النصف، و بعدئذ إلى أقل من النصف.
و قيل: المراد هو التخيير بين الثلث الثّاني و النصف و الثلث الأوّل، بقرينة الآية التي في آخر السورة: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ و يستفاد من هذه الآية أيضا أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن وحده الذي يقوم الليل، بل معه عدّة من المؤمنين كانوا ملتزمين أيضا بهذا النظام للبناء الذاتي و التربية و الاستعداد متخذين النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أسوة لهم.
و قال البعض: إنّ المراد من «قم الليل إلّا قليلا»، هو القيام في الليالي كلّها إلّا بعض الليالي، و ليس الاستثناء في أجزاء الليل، و لكن هذا القول بعيد عن الصواب حيث أنّ الليل جاء بصيغة مفرد «ليل»، و جاء التعبير بالنصف أو أقل النصف.
ثمّ يبيّن الهدف النهائي لهذا الأمر المهم و الشاق فيقول: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ