الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - ٢- الطريق الآخر لإثبات علم الغيب للأئمّة عليهم السّلام
المهمّة ألّا يعلم شيئا سوى ما يحيط به و بزمانه؟ هل يمكن لمن يتسلم مهمّة الإمرة على إمارة، و المحافظة على قسم عظيم من بلاد ما و هو لا يعلم منها شيئا، و في نفس الوقت يطلب منه أن ينفذ المهمّة على أحسن وجه؟! و بعبارة أخرى، أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو الإمام عليه أن يبيّن الأحكام الإلهية و يطبقها في فترة حياته بحيث يلبّي احتياجات البشرية في كلّ زمان و مكان، و هذا لا يمكن إلّا بمعرفته على الأقل لقسم من أسرار الغيب.
ثمّ هناك ثلاث آيات في القرآن المجيد إذا وضعت إلى جانب بعضها البعض فسرعان ما يتّضح لنا ما يتعلق بعلم الغيب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمّة عليهم السّلام فالأوّل ما يذكره القرآن حول من أحضر عرش ملكة سبأ في طرفة عين (و هو آصف بن برخيا) فيقول تعالى في كتابه: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [١]، و نقرأ في آية أخرى: قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [٢].
و من جهة أخرى
نقل في أحاديث مختلفة في كتب الخاصّة و العامّة أنّ أبا سعيد الخدري قال سألت النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن معنى الآية: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ فقال: «هو وصي أخي سليمان بن داود» قلت و من المراد في: وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟ فقال: «ذاك أخي علي بن أبي طالب» [٣].
فالملاحظ فيما يقوله إنّ (علم من الكتاب) الذي جاء فيما يخص «آصف» هو علم جزئي، و أمّا حينما يقول في (علم الكتاب) الذي ورد فيما يخص عليا عليه السّلام هو علم كلي، و هذا ما يوضح الاختلاف بين المقام العلمي لآصف و بين المقام العلمي لعلي عليه السّلام.
[١]- النّمل، ٤٠.
[٢]- الرّعد، ٤٣.
[٣]- راجع الجزء الثالث من (إحقاق الحقّ) ص ٢٨٠- ٢٨١، و نور الثقلين، ج ٢، ص ٥٢٣.