حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٦ - كلام في شرح حديث الصوم لي
للعبدِ جلال اللّه، وكان محجوبا عن لقائه؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:" لَولا أنَّ الشَّياطينَ يَحومونَ عَلى قُلوبِ بَني آدَمَ لَنَظَروا إلىمَلَكوتِ السَّماءِ". فمن هذا الوجه صار الصوم بابَ العبادة وصارَ جُنّةً.[١] وفي النهاية لابن الأثير: قد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأنّه لِمَ خَصّ الصومَ والجزاءَ عليه بنفسه عز و جل، وإنكانت العبادات كُلّها له وجَزاؤها منه؟ وذكروا فيه وجوها مدارُها كُلّها على أنّ الصوم سِرٌّ بين اللّه والعبد لايَطَّلِع عليه سِواه، فلا يكون العبدُ صائما حَقيقةً إلّا وهو مُخلص في الطاعة. وهذا وإن كان كما قالوا؛ فإنَغير الصَّوم من العبادات يشاركه في سرّ الطاعة، كالصلاة على غير طهارة أو في ثوبٍ نجس، ونحو ذلك من الأسرار المقترنة بالعبادات الّتي لا يعرفها إلّا اللّه وصاحبها. وأحسن ما سمعت في تأويل هذا الحديث: أنّ جميع العبادات الّتي يتقرّب بها العباد إلى اللّه عز و جل من صلاة، وحجّ، وصدقة، واعتكاف، وتبتُّل، ودعاء، وقُربان، وهَدي، وغير ذلك من أنواع العبادات قد عَبَدَ المشركون بها آلِهتَهم، وما كانوا يتَّخذونه من دون اللّه أندادا، ولم يُسمَع أنّ طائفة من طوائف المشركين وأرباب النِّحَلِ في الأزمان المُتَقادِمة عَبدت آلهتها بالصوم، ولا تقرَّبت إليها به، ولا عُرف الصوم في العبادات إلّا من جهة الشرائع، فلذلك قال اللّه عز و جل:" الصَّومُ لي وأنَا أجزي بِهِ"؛ أي: لم يُشاركني أحدٌ فيه، ولا عُبد به غيري، فأنا حينئذٍ أجزي به وأتولَّى الجزاء عليه بنفسي، لا أكِلُه إلى أحد من ملك مقرّب أو غيره على قدر اختصاصه بي.[٢]
[١] المحجّة البيضاء: ج ٢ ص ١٢٥؛ إحياء علوم الدين: ج ١ ص ٣٤٦.
[٢] النهاية: ج ١ ص ٢٧٠.