منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٣ - خاتمة
و لا يرى إلّا هو، و يبلغ بحق اليقين إلى أنّه تعالى هو الأوّل و الاخر و الظّاهر و الباطن، و إلى أنه هو الظاهر لا غير، و أنّ الظاهر هو لا غير، و إلى أنّ الباطن هو الظاهر، و أنّ الأوّل هو الاخر و الاخر هو الأوّل، و الكلّ تحت اسم الظاهر تدوينا و تكوينا لفظا و عينا، و هذه الحالة للعارف تسمّى بالفناء في اللّه فالفناء ملاحظة جمال اللّه و جلاله و قصر النظر على كماله.
و للفناء ثلاث درجات: الاولى، الفناء في الأفعال فيرى العارف في هذه الدرجة المؤثّرات و المبادي و الأسباب و العلل من المجرّدات و المادّيات و من الطبيعيّات و الإراديّات باطلة بلا أثر، ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل، و لا يرى مؤثّرا إلّا الحقّ جلّ جلاله و لا يرى قدرة عاملة و لا إرادة نافذة في الكائنات إلّا قدرته و إرادته، فيشهد ذاتا غير متناهية، و إرادة و قدرة غير متناهيتين حاكمة على الجميع، و عنت الوجوه للحىّ القيّوم، فيرى بعين الشهود بلا شوب ريب حقيقة الكريمة: و ما رميت إذ رميت و لكنّ اللّه رمى، فيكون لسان حاله مترنّما بمقال لا حول و لا قوّة إلّا باللّه، بلا شائبة خيال و وهم بل بعين بصيرة و قلب مستيقظ نبيه، و في هذا المقام يحصل له اليأس عمّا سواه تعالى و الرجاء الواثق التامّ إليه تعالى، و يساوى عنده بل يتّحد قدرة أعظم ملوك الأرض و قدرة أخسّ ذوى النفوس كالبقّ مثلا، و هذه الدرجة تسمّى بالمحو و إليه أشار صاحب المثنوي بقوله:
|
اين سببها بر نظرها پردهها است |
كه نه هر ديدار صنعش را سزا است |
|
|
ديدهاى بايد سبب سوراخ كن |
تا حجب را بر كند از بيخ و بن |
|
|
تا مسبّب بيند اندر لا مكان |
هرزه بيند جهد و أسباب دكان |
|
و الثانية، الفناء في الصفات، فيرى العارف في هذه الدرجة جميع أسمائه تعالى و صفاته من صفات اللطف كالرحمن و الرّحيم و الرّازق و المنعم، و صفات القهر كالقهّار و المنتقم مستهلكة في غيب الذات الأحديّة، و لا يرى إلّا الذات