منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٣٢ - خاتمة
و ثالثها ما يحصل بعد اتصالها بعالم الغيب و هو تحلّى النفس بالصور القدسية و تسمّى هذه المرتبة التّحلية بالحاء المهملة، و بعبارة اخرى التّحلية أن تتحلّى النفس بعد حصول التخليه بحلىّ الأخلاق الحميدة و الملكات الفاضلة الجميلة ممّا هي في نظام الاجتماع و رشد الفرد و تكامله مؤثر جدّا فالتحلية طهارة معنوية و ما لم يتحقّق هذه الطهارة للانسان فهو ليس بطاهر حقيقة و إن كان ظاهره متّصفا بالطهارة و اتّصاف النّفس بها بمنزلة تقوية المريض بالأغذية المقويّة بعد خلاصه من الأمراض.
و رابعتها ما يتجلّى له عقيب ملكة الإتّصال و الانفصال عن نفسه بالكلّية و هو ملاحظة جمال اللّه و جلاله و قصر النظر على كماله حتّى يرى كلّ قدرة مضمحلّة جنب قدرته الكاملة، و كلّ علم مستغرقا في علمه الشامل بل كلّ وجود فائضا من جنابه، و تسمّى هذه المرتبة بالفناء في الحقّ، رزقنا اللّه و جميع المؤمنين تلك النعمة العظمى و بلغنا إلى تلك الغاية القصوى، و له أيضا ثلاث مراتب: محو و طمس و محق المحو، فناء أفعال العبد في فعل الحقّ، و الطمس، فناء صفاته في صفات الحقّ و المحق، فناء وجوده في ذات الحق، ففي الأوّل لا يرى في الوجود فعلا لشيء إلّا للحق، و في الثاني لا يرى لشيء من الوجود صفة إلّا للحقّ، و في الثالث لا يرى وجودا لشيء إلّا للحقّ، و الفناء قسمان: فناء استهلاك كفناء أنوار الكواكب في نور الشمس، و حينئذ يبقى عين الفاني و ذاته و يرتفع حكم إنّيته، و فناء هلاك كفناء الأمواج عند سكون البحر، و حينئذ يزول الفاني و يرتفع عينه و لا يبقى أثره.
و نزيدك بيانا و نقول: غبّ ما حصلت المراتب الثلاثة التجلية و التخلية و التحلية للسالك تحصل له ببركة الطهارة و الصفاء، جاذبة المحبّة و العشق إلى جناب الحقّ جلّ جلاله فتصير محبّا لما هو كمال له حقيقة من الحضور دائما عنده تعالى و عبادته و الخلوة معه و الانس به، و ذكره قلبا و لسانا، فتوجب تلك الأحوال تشديد المحبّة تدريجا و اشتعال نار المحبّة يسيرا يسيرا حتّى يذهل عن نفسه