منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٤ - خاتمة
و إذا علمت هذا علمت أنّ حقائق العالم في العلم و العين كلّها مظاهر للحقيقة الإنسانية الّتي هي مظهر للإسم اللّه فأرواحها أيضا كلّها جزئيات الروح الأعظم الإنساني سواء كان روحا فلكيّا أو عنصريا أو حيوانيا و صورها صور تلك الحقيقة و لوازمها لوازمها لذلك يسمى العالم المفصّل بالإنسان الكبير عند أهل اللّه لظهور الحقيقة الانسانيّة و لوازمها فيه، و لهذا الاشتمال و ظهور الأسرار الإلهيّة كلّها فيها دون غيرها استحقّت الخلافة من بين الحقائق كلّها و للّه درّ القائل: سبحان من أظهر ناسوته- إلى آخر البيتين المذكورين آنفا.
فأوّل ظهورها في صورة العقل الأوّل الّذي هو صورة إجمالية للمرتبة العمائيّة المشار إليها في الحديث الصحيح عند سؤال الأعرابي أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق؟ قال ٧: كان في عماء ما فوقه هواء و لا تحته هواء، لذلك قال ٧:
أوّل ما خلق اللّه نوري، و أراد العقل كما أيّده بقوله: أوّل ما خلق اللّه العقل ثمّ في صورة باقي العقول و النفوس الناطقة الفلكية و غيرها، و في صورة الطبيعة و الهيوا الكلّيّة و الصورة الجسميّة البسيطة و المركّبة بأجمعها.
و يؤيّد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين وليّ اللّه في الأرضين قطب الموحّدين عليّ بن أبي طالب ٧ في خطبة كان يخطبها للنّاس: أنا نقطة باء بسم اللّه، أنا جنب اللّه الّذي فرطتم فيه، و أنا القلم، و أنا اللّوح المحفوظ، و أنا العرش، و أنا الكرسي، و أنا السماوات السّبع و الأرضون، إلى أن صحافي أثناء الخطبة و ارتفع عنه حكم تجلّي الوحدة و رجع إلى عالم البشريّة، و تجلّى له الحقّ بحكم الكثرة فشرع معتذرا فأقرّ بعبوديّته و ضعفه و انقهاره تحت أحكام الأسماء الإلهيّة.
و لذلك قيل: الانسان الكامل لا بدّ أن يسرى في جميع الموجودات كسريان الحق فيها، و ذلك في السفر الثالث الّذي من الحق إلى الخلق بالحق، و عند هذا السفر يتمّ كماله و به يحصل له حق اليقين.
و من ههنا يتبين أنّ الاخريّة هي عين الأوّليّة، و يظهر سرّ هو الأوّل و الاخر و الظاهر و الباطن و هو بكلّ شيء عليم.