منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٢ - خاتمة
حديثا ثالثا يقرب منهما معنى، هذا قرب النوافل الّذي يدور في ألسنة القوم أى القرب الّذي يحصل للعبد من النوافل، و أما قرب الفرائض فقال عزّ و جلّ ما يتقرّب إلىّ عبدى بشيء أحبّ إلىّ ممّا افترضته عليه و ما زال يتقرّب إلىّ عبدى بالفرائض حتّى إذا ما احبّه و إذا أحببته كان سمعي الّذي أسمع به، و بصري الّذي أبصر به، و يدي الّذي أبطش بها.
فانظر إلى تفاوة القربين ففي الأوّل كان اللّه سمع العبد و بصره و لسانه و يده، و في الثاني كان العبد سمع اللّه تعالى و بصره و يده، فالواجبات أكثر ثوابا و أعلى مرتبة من المندوبات بتلك النسبة بين القربين.
قال العلّامة المحقّق نصير الدين محمّد الطوسي قدّس اللّه سرّه: العارف إذا انقطع عن نفسه و اتّصل بالحقّ رأى كلّ قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، و كلّ علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات و كلّ إرادة مستغرقة في إرادته الّتي لا يتأبّى عنها شيء من الممكنات، بل كلّ وجود و كلّ كمال وجود فهو صادر عنه، فائض من لدنه فصار الحق حينئذ بصره الّذي به يبصر، و سمعه الّذي به يسمع، و قدرته الّتي بها يفعل، و علمه الّذي به يعلم، و وجوده الّذي به يوجد فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق اللّه بالحقيقة.
نقلنا كلامه من الرابعة من الرابعة من قرّة العيون للفيض رضوان اللّه عليه و في الثالثة من السابعة من ذلك الكتاب:
قال بعض العارفين إذا تجلّى اللّه سبحانه بذاته لأحد يرى كلّ الذوات و الصفات و الأفعال متلاشية في أشعّة ذاته و صفاته و أفعاله يجد نفسه مع جميع المخلوقات كأنّها مدبّرة لها و هي أعضاؤها لا يلمّ بواحد منها شيء إلّا و يراه ملما به، و يرى ذاته الذات الواحدة و صفته صفتها و فعله فعلها لاستهلاكه بالكليّة في عين التوحيد، و لمّا انجذب بصيرة الروح إلى مشاهدة جمال الذات استتر نور العقل الفارق بين الأشياء في غلبة نور الذات القديمة و ارتفع التميز بين القدم و الحدوث لزهوق الباطل عند مجيء الحقّ، و يسمّى هذه الحالة جمعا، و لصاحب