منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩١ - خاتمة
و اعلم أنّ هذا العالم الحسى هو عالم الموت و الفناء و الفقد و الظلمة و الجهل و هو ذات مادة و صورة سائلتين زائلتين دائم التغير و الانقسام و لا شعور له و لا إشعار إلّا بتبعية العالمين الاخرين و إنّما ظهوره للحسّ بتوسط الأعراض من حيث وحدته الإتصاليّة أمّا من حيث كثرته المقدارية المتجزّية عند فرض القسمة فكل واحد من الأجزاء معدوم عن الاخر و مفقود عنه فالكلّ غائب عن الكلّ و معدوم عنه و ذلك من جهة أنّ المادّة مصحوبة بالعدم بل هو جوهر مظلم و أوّل ما ظهر من الظلام.
و لأنّها في ذاتها بالقوّة و بما لها في أصلها من عالم النور تقبل الصور النورية و تذهب ظلماتها بنور صورها فهذه النشأة اختلط نورها بظلامها و ضعف وجودها و ظهورها و لضعفها احتاجت إلى مهد المكان و ظئر الزمان و أهلها المخصوصون بها أشقياء الجن و الإنس و الحيوان و النبات و الجماد، و في الحديث القدسي: ما نظرت إلى الأجسام منذ خلقتها، و هم الّذين علومهم مختصّة بهذا العالم و يعلمون ظاهرا من الحيوة الدّنيا و هم عن الاخرة غافلون، و لم يتجاوز علمهم عن المحسوسات و لم يعرفوا من العوالم العالية إلّا الأسماء، و كلما سمعوا حكاية منها قدروا له لوازم عالمهم و أنكروا ما يقال لهم من لوازم غير عالمهم.
و بالجملة مرعيهم و مأنسهم و وطنهم هذا العالم المحسوس و ملاذهم و مقاصدهم كلّها من مألوفات هذا العالم و هم الّذين قلنا إنّهم من الّذين أخلدوا إلى الأرض و هم يعتقدون أنّ أنفسهم هو هذا البدن و أرواحهم هي الروح الحيواني، و أنّ الجماد كلّها موجودات متأصّلة متحقّقة و جواهر قائمة بذواتها مخلوقة في عالمها و حيّزها، و أنّ موجودات العوالم الاخر على القول بها موجودات اعتبارية خياليّة لا حقيقة لها و أنّ اللّذة إنّما هي في المأكل و المشرب و المنكح و جاه هذا العالم، و ذكرهم و فكرهم و خيالهم و آمالهم و علومهم كلّها متعلّقة بالمحسوسات و انسهم بها يحبّونها و يستأنسون بها، و يشتاقون لما لم يصلوا إليه من زخارفها و حلوها و خضرتها بل يعشقونها و شغفهم حبّها كالعاشق المستهتر.