البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣ - غزوة أحد في شوال سنة ثلاث
لأصحاب بدر من الفضيلة
فلما صلّى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الجمعة وعظ الناس و ذكرهم و أمرهم بالجد و الجهاد ثم انصرف من خطبته و صلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن نمكث بالمدينة و هو أعلم باللَّه و ما يريد و يأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول اللَّه أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب و أذن بالخروج الى العدو أن يرجع حتى يقاتل و قد دعوتكم الى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى اللَّه و الصبر عند البأس إذا لقيتم العدو و انظروا ما ذا أمركم اللَّه به فافعلوا.
قال: فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المسلمون فسلكوا على البدائع و هم ألف رجل و المشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزل بأحد و رجع عنه عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سبعمائة قال البيهقي (رحمه اللَّه) هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال و المشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري و قيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فاللَّه أعلم. قال موسى بن عقبة و كان على خيل المشركين خالد بن الوليد و كان معهم مائة فرس و كان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال و لم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ان شاء اللَّه تعالى. و قال محمد بن إسحاق لما قص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رؤياه عل أصحابه قال لهم ان رأيتم أن تقيموا بالمدينة و تدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشرّ مقام و ان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها و كان رأى عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول مع رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أن لا يخرج اليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم اللَّه بالشهادة يوم أحد و غيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول اللَّه أخرج بنا الى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا عنهم و ضعفنا فقال عبد اللَّه ابن أبىّ يا رسول اللَّه لا تخرج اليهم فو اللَّه ما خرجنا منها الى عدو قط الا أصاب منا و لا دخلها علينا الا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى دخل فلبس لأمته و ذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة و قد مات في ذلك اليوم رجل من بنى النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم و
قد ندم الناس و قالوا استكرهنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول اللَّه ان شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل.
فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ألف من أصحابه. قال ابن هشام و استعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة و أحد انخزل عنه عبد اللَّه بن أبىّ بثلث الناس و قال أطاعهم و عصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق و الريب و اتبعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد اللَّه فقال: يا قوم أذكركم اللَّه أن لا تخذلوا قومكم و نبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم