البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧٣ - عمرة الجعرانة في ذي القعدة
و ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله:
إن الرسول لنور يستضاء به* * * مهند من سيوف اللَّه مسلول
نبئت أن رسول اللَّه أوعدني* * * و العفو عند رسول اللَّه مأمول
قال: فأشار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى من معه أن اسمعوا. و قد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في مغازيه و للَّه الحمد و المنة.
قلت: ورد في بعض الروايات أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعطاه بردته حين أنشده القصيدة و قد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه و هكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في الغابة قال و هي البردة التي عند الخلفاء.
قلت: و هذا من الأمور المشهورة جدا و لكن لم أر ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فاللَّه أعلم. و قد روى أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال له لما قال بانت سعاد و من سعاد؟ قال زوجتي يا رسول اللَّه، قال لم تبن و لكن لم يصح ذلك و كأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته و الظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية و اللَّه تعالى اعلم. قال ابن إسحاق: و قال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب- يعنى في قصيدته- إذا عرد السود التنابيل و إنما يريدنا معشر الأنصار لما كان صاحبنا صنع به و خص المهاجرين من قريش بمدحته غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار و يذكر بلاءهم من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و موضعهم من اليمن:
من سره كرم الحياة فلا يزل* * * في مقنب من صالحي الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر* * * إن الخيار هموا بنوا الأخيار
المكرهين السمهري باذرع* * * كسوالف الهندي غير قصار
و الناظرين بأعين محمرة* * * كالجمر غير كليلة الأبصار
و البائعين نفوسهم لنبيهم* * * للموت يوم تعانق و كرار
[و القائدين الناس عن أديانهم* * * بالمشرفي و بالقنا الخطار]
يتطهرون يرونه نسكا لهم* * * بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت بطون خفية* * * غلب الرقاب من الأسود ضوارى
و إذا حللت ينعوك اليهم* * * أصبحت عند معاقل الاغفار
ضربوا عليّا يوم بدر ضربة* * * دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الأقوام علمي كله* * * فيهم لصدقنى الذين أمارى
قوم إذا خوت النجوم فإنهم* * * للطارقين النازلين مقارى