البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٠ - فصل في كيفية الوقعة و ما كان في أول الأمر من الفرار ثم كانت العاقبة للمتقين
فنظر الى مجتلد القوم فقال «الآن حمى الوطيس» قال فو اللَّه ما راجعه الناس الا و الأسارى عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكتفون، فقتل اللَّه منهم من قتل، و انهزم منهم من انهزم، و أفاء اللَّه على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أموالهم و أبناءهم.
و قال ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة. و ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما فتح اللَّه عليه مكة و أقرّ بها عينه، خرج إلى هوازن و خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا و مشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون و يرجون الغنائم و لا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه، قالوا و كان معه أبو سفيان بن حرب و صفوان بن أمية و كانت امرأته مسلمة و هو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا و كان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري و معه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، و معه النساء و الذراري و النعم، فبعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن أبى حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك ابن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد و اكسروا أغماد سيوفكم و اجعلوا مواشيكم صفا و نساءكم صفا، فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان و صفوان و حكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة وصف الناس بعضهم لبعض و ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم و حضهم على القتال و بشرهم بالفتح- إن صبروا- فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين، فقال حارثة بن النعمان: لقد حزرت من بقي مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين أدبر الناس فقلت مائة رجل، قالوا و مر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال ابشر بهزيمة محمد و أصحابه فو اللَّه لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب فو اللَّه لرب من قريش أحب الى من رب من الأعراب، و غضب صفوان لذلك.
قال عروة و بعث صفوان غلاما له فقال اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال سمعتهم يقولون: يا بنى عبد الرحمن يا بنى عبد اللَّه، يا بنى عبيد اللَّه، فقال: ظهر محمد و كان ذلك شعارهم في الحرب. قالوا و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما غشيه القتال قام في الركابين و هو على البغلة فرفع يديه الى اللَّه يدعوه يقول «اللَّهمّ إني أنشدك ما وعدتني اللَّهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» و نادى أصحابه و زمرهم «يا أصحاب البيعة يوم الحديبيّة اللَّه اللَّه الكرة على نبيكم» و يقال حرضهم فقال «يا أنصار اللَّه و أنصار رسوله يا بنى الخزرج يا أصحاب سورة البقرة» و أمر من أصحابه من ينادى بذلك، قالوا و قبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين و نواصيهم كلها و قال «شاهت الوجوه» و أقبل أصحابه اليه سراعا يبتدرون، و زعموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «الآن حمى الوطيس» فهزم اللَّه أعداءه من كل ناحية حصبهم منها و اتبعهم المسلمون يقتلونهم و غنمهم اللَّه نساءهم و ذراريهم، و فر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو و أناس من أشراف قومه، و أسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة حين رأوا نصر اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)