البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦١ - قصة الافك
شديدة لا يبلغني من ذلك شيء. و قد انتهى الحديث الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إلى أبويّ لا يذكرون لي منه قليلا و لا كثيرا إلا أنى قد أنكرت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعض لطفه بى كنت إذا اشتكيت رحمني و لطف بى فلم يفعل ذلك بى في شكواي ذلك فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل عليّ و عندي أمى [١] تمرّضنى قال كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك قالت حتى وجدت في نفسي فقلت يا رسول اللَّه حين رأيت ما رأيت من جفائه لي: لو أذنت لي فانتقلت الى أمي فمرضتنى قال لا عليك قالت فانقلبت الى أمى و لا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع و عشرين ليلة و كنّا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم نعافها و نكرهها انما كنا نخرج في فسح المدينة و انما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي و معى أم مسطح ابنة ابى رهم بن المطلب قالت فو اللَّه إنها لتمشي معى إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح (و مسطح لقب و اسمه عوف) قالت فقلت بئس لعمرو اللَّه ما قلت لرجل من المهاجرين و قد شهد بدرا قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبى بكر قالت قلت و ما الخبر فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الافك قلت أو قد كان هذا قالت نعم و اللَّه لقد كان قالت فو اللَّه ما قدرت على أن أقضى حاجتي و رجعت فو اللَّه ما زلت أبكى حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت و قلت لأمي يغفر اللَّه لك تحدث الناس بما تحدثوا به و لا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خففى عليك الشأن فو اللَّه لقلّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن و كثر الناس عليها قالت و قد قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخطبهم و لا أعلم بذلك فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذوننى في أهلي و يقولون عليهم غير الحق و اللَّه ما علمت عليهم إلا خيرا، و يقولون ذلك لرجل و اللَّه ما علمت منه الا خيرا، و لا يدخل بيتا من بيوتي إلا و هو معى، قالت و كان كبر ذلك عند عبد اللَّه بن أبىّ بن سلول في رجال من الخزرج مع الّذي قال مسطح و حمنة بنت جحش و ذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم تكن امرأة من نسائه تناصينى في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها اللَّه بدينها فلم تقل إلا خيرا و أما حمنة فاشاعت من ذلك ما أشاعت تضارنى لأختها فشقيت بذلك فلما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول اللَّه ان يكونوا من الأوس نكفيكهم و ان يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فو اللَّه انهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد بن عبادة و كان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال كذبت لعمر اللَّه ما تضرب أعناقهم أما و اللَّه ما قلت هذه المقالة الا انك قد عرفت انهم من الخزرج و لو كانوا من قومك ما قلت هذا. فقال أسيد بن حضير كذبت لعمر اللَّه و لكنك منافق تجادل عن المنافقين. قالت و تساور الناس حتى كاد
[١] في سيرة ابن هشام: هي أم رومان، و اسمها زينب بنت عبد دهمان أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة