البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - فصل
عن أبيهما- و كان حسن أرضاهما في أنفسهما- أن عليا قال لابن عباس: ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن نكاح المتعة و عن لحوم الحمر الاهلية زمن خيبر.
قالوا فاعتقدنا الراويّ ان قوله خيبر ظرف للمنهى عنهما و ليس كذلك انما هو ظرف للنهى عن لحوم الحمر، فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا و انما جمعه معه لأن عليا رضى اللَّه عنه بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة و لحوم الحمر الاهلية كما هو المشهور عنه،
فقال له أمير المؤمنين على: انك امرؤ تائه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن نكاح المتعة و لحوم الحمر الاهلية يوم خيبر،
فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الاباحة. و الى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبى الحجاج المزي تغمده اللَّه برحمته آمين. و مع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب [اليه] من [اباحة] الحمر و المتعة، أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم و أما المتعة فإنما كان يبيحها عند الضرورة في الاسفار، و حمل النهى على ذلك في حال الرفاهيّة و الوجدان و قد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه و أتباعهم و لم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز الى زمن ابن جريج و بعده. و قد حكى عن الامام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس و هي ضعفة و حاول بعض من صنف في الحلال نقل رواية عن الامام بمثل ذلك و لا يصح أيضا و اللَّه أعلم. و موضع تحرير ذلك في كتاب الأحكام و باللَّه المستعان قال ابن إسحاق: ثم جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتدنى الحصون و الأموال
فحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بنى سهم من أسلم أتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا يا رسولي اللَّه لقد جهدنا و ما بأيدينا شيء فلم يجدوا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا يعطيهم إياه فقال: اللَّهمّ إنك قد عرفت حالهم و أن ليست لهم قوة و أن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غنى و أكثرها طعاما و ودكا.
فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ و ما بخيبر حصن كان أكثر طعاما و ودكا منه [١] قال ابن إسحاق: و لما افتتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حصونهم ما افتتح و حاز من الأموال ما حاز انتهوا الى حصنهم الوطيح و السّلالم و كان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بضع عشر ليلة. قال ابن هشام: و كان شعارهم يوم خيبر يا منصور أمت أمت
قال ابن إسحاق: و حدثني بريدة بن سفيان الأسدي الأسلمي عن بعض رجال بنى سلمة عن أبى اليسر كعب بن عمرو قال: انى لمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بخيبر ذات عشية إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم و نحن محاصروهم فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من رجل يطعمنا من هذه الغنم قال أبو اليسر
[١] الودك: دسم اللحم و دهنه الّذي يستخرج منه