البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٥ - صفة دخوله (عليه السلام) مكة
ذلك و هو مذهب جمهور العلماء. و المشهور عن الشافعيّ أنها فتحت صلحا لأنها لم تقسم، و
لقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة الفتح «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، و من دخل الحرم فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن»
و موضع تقرير هذه المسألة في كتاب الأحكام الكبير إن شاء اللَّه تعالى. و
قال البخاري ثنا سعيد ابن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبى شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد و هو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الغد من يوم الفتح سمعته أذناى و وعاه قلبي و أبصرته عيناي حين تكلم به، أنه حمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال «إن مكة حرمها اللَّه و لم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه و اليوم الآخر أن يسفك بها دما و لا يعضد بها شجرا فان أحد ترخص بقتال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقولوا: إن اللَّه أذن لرسوله و لم يأذن لكم، و إنما أذن لي فيها ساعة من نهار و قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» فقيل لأبي شريح ما ذا قال لك عمرو؟ قال قال أنا أعلم بذلك منك يأبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا و لا فارا بدم، و لا فارا بجزية. و روى البخاري أيضا و مسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه.
و ذكر ابن إسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر باسا، فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأنوغ [١] و هو بمكة قتله خراش بن أمية، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل لقد كثر القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لأدينه»
قال ابن إسحاق: و حدثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي عن سعيد بن المسيب قال: لما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما صنع خراش ابن أمية قال «إن خراشا لقتال»
و قال ابن إسحاق: و حدثني سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى شريح الخزاعي قال: لما قدم عمرو بن الزبير [٢] مكة لقتال أخيه عبد اللَّه بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين افتتح مكة، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه و هو مشرك، فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فينا خطيبا فقال «يا أيها الناس إن اللَّه قد حرم مكة يوم خلق السموات و الأرض فهي حرام من حرام اللَّه الى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه و اليوم الآخر أن يسفك فيها دما و لا يعضد فيها شجرا، لم تحل لأحد كان قبلي و لا تحل لأحد يكون بعدي و لم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها، ألا ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قاتل فيها فقولوا إن اللَّه قد أحلها لرسوله و لم
[١] كذا في الأصل و لم نقف عليه.
[٢] قال السهيليّ: هذا و هم من ابن هشام و صوابه عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية و هو الأشدق و يكنى أبا أمية و كان يسمى لطيم الشيطان و كان جبارا شديد البأس حتى خافه عبد الملك على مكة فقتله بحيلة و ذكر له خبرا طويلا و هو الّذي رعف على منبر رسول اللَّه حتى سال الدم.