البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٧ - سنة ثمان من الهجرة النبويّة فصل في إسلام عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد، و عثمان بن طلحة بن أبى طلحة رضى اللَّه عنهم
نكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، و إن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا هذا الرأى. قال قلت فاجمعوا ما نهديه له- و كان أحب ما يهدى اليه من أرضنا الأدم- فحملنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، فو اللَّه إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمريّ و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان، [١] فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية و لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سرت قريش و كنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال مرحبا بصديقى أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال قلت نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرا ثم قدمته فأعجبه و فرق منه شيئا بين بطارقته و أمر بسائره فادخل في موضع و أمر أن يكتب و يحتفظ به، فلما رأيت طيب نفسه قلت أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك و هو رسول عدو لنا قد وترنا و قتل أشرافنا و خيارنا فأعطنيه فأقتله، فغضب من ذلك و رفع يده فضرب بها أنفى ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابى فأصابني من الذل ما لو انشقت بى الأرض دخلت فيها فرقا منه، ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك، قال فاستحيا و قال: يا عمرو تسألنى أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى و الّذي كان يأتى عيسى لتقتله؟ قال عمرو فغير اللَّه قلبي عما كنت عليه، و قلت في نفسي عرف هذا الحق و العرب و العجم و تخالف أنت ثم قلت أ تشهد أيها الملك بهذا؟ قال نعم أشهد به عند اللَّه يا عمرو فأطعنى و اتبعه فو اللَّه إنه لعلى الحق و ليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون و جنوده، قلت أ تبايعنى له على الإسلام؟ قال نعم فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطست فغسل عنى الدم و كساني ثيابا- و كانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها- ثم خرجت على أصحابى فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك و قالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم كرهت أن أكلمه في أول مرة و قلت أعود اليه، فقالوا الرأى ما رأيت. قال ففارقتهم و كأنى أعمد الى حاجة فعمدت الى موضع السفن فأجد سفينة قد شحنت تدفع، قال فركبت معهم و دفعوها حتى انتهوا الى الشعبة و خرجت من السفينة و معى نفقة، فابتعت بعيرا و خرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا و أحدهما داخل في الخيمة و الآخر يمسك الراحلتين، قال فنظرت فإذا خالد بن الوليد، قال قلت أين تريد؟ قال محمدا، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، و اللَّه لو أقمت
[١] هكذا في الأصل، و في ابن هشام كان قد جاء في شأن جعفر و أصحابه، و في السهيليّ أنه جاء بكتاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كان فيه دعوته الى الإسلام.