البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٧ - ذكر سياق البخاري لعمرة الحديبيّة
وَ أَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ- حتى بلغ- الحمية حمية الجاهلية و كانت حميتهم انهم لم يقرّوا أنه نبي اللَّه و لم يقروا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم و حالوا بينهم و بين البيت. فهذا سياق فيه زيادات و فوائد حسنة ليست في رواية ابن إسحاق عن الزهري، فقد رواه عن الزهري عن جماعة منهم سفيان بن عيينة و معمر و محمد بن إسحاق كلهم عن الزهري عن عروة عن مروان و مسور، فذكر القصة
و قد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة [١] عن مروان بن الحكم و المسور بن مخرمة عن أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر القصة. و هذا هو الأشبه فان مروان و مسورا كانا صغيرين يوم الحديبيّة، و الظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضى اللَّه عنهم أجمعين و قال البخاري: حدّثنا الحسن بن إسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك بن مغول سمعت أبا حصين قال قال أبو وائل: لما قدم سهيل بن حنيف من صفّين أتيناه نستخبره فقال: اتهموا الرأى، فلقد رأيتني يوم أبى جندل و لو أستطيع أن أردّ على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمره لرددت، و اللَّه و رسوله أعلم، و ما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا لأمر يقطعنا الا أسهلن بنا الى أمر نعرفه، قبل هذا الأمر ما نسدّ منها خصما الا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له [٢] و
قال البخاري: حدّثنا عبد اللَّه بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يسير في بعض أسفاره و كان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين و خشيت أن ينزل فىّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بى، قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فىّ قرآن، فجئت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسلمت عليه فقال «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهى أحبّ الىّ مما طلعت عليه الشمس» ثم قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً.
قلت: و قد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و للَّه الحمد و المنة، و من أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل
[١] في صحيح البخاري (دار الطباعة العامرة ١٣١٥ ج ٣ ص ١٧٢): عقيل عن ابن شهاب عن عروة
[٢] كان جماعة اتهموا سهل بن حنيف بأنه قصر في القتال يوم صفين فقال لهم اتهموا رأيكم و لا تتهموني، فانى لا اقصر وقت الحاجة، كناز من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا نلبس السلاح لأمر يشتد علينا الا افصى بنا سلاحنا الى سهولة، و أما أمر صفين فنحن لا نسد منه جانبا حتى ينفجر علينا منه جانب آخر فلا يمكننا إصلاحه و تلافيه