البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - مقتل حمزة رضى اللَّه عنه
أتنكب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حيث كان لئلا يراني حتى قبضه اللَّه عز و جل، فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم و أخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما و بيده السيف و ما أعرفه فتهيأت له و تهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، و شدّ عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فان كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة.
و قال الواقدي في الردة: هو عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازني. و قال سيف بن عمرو: هو عدي ابن سهيل و هو القائل:
أ لم تر أنى و وحشيهم* * * قتلت مسيلمة المعين
و يسأل الناس عن قتله* * * فقلت صربت و هذا طعن
و المشهور أن وحشيا هو الّذي بدره بالضربة و ذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد اللَّه بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الأسود. و قد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبى سلمة الماجشون عن عبد اللَّه بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ قال خرجت مع عبد اللَّه بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. و ذكر أن عبيد اللَّه بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه و رجليه فذكر من معرفته له ما تقدم، و هذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد و ابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. و قال في سياقته: فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج اليه حمزة بن عبد المطلب فقال له:
يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أ تحادّ اللَّه و رسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال و كمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا منى رميته بحربتى فأضعها في ثنّته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذلك آخر العهد به، الى أن قال: فلما قبض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج الى مسيلمة لعلى أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتى فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال و وثب اليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد اللَّه بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد اللَّه بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمنيناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحدّ في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن اللَّه لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت: