البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - غزوة الخندق و هي غزوة الأحزاب
فاخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، و برقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها- يعنى المدينة- حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تكبير فتح و كبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. و ذكر ذلك سلمان و المسلمون لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لي من الاولى قصور الحيرة و مدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها. و من الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب و أخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها. و من الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب و أخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فابشروا، و استبشر المسلمون و قالوا الحمد للَّه موعود صادق. قال: و لما طلعت الأحزاب قال المؤمنون: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً. و قال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة و مدائن كسرى و انها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً
و هذا حديث غريب. و
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدّثنا هارون بن ملول حدّثنا أبو عبد الرحمن حدّثنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد اللَّه بن يزيد عن عبد اللَّه بن عمرو قال لما أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالخندق فخندق على المدينة قالوا يا رسول اللَّه انا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها فقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قمنا معه فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة و كبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قطّ فقال فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قطّ فقال فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء اللَّه بحمير أعوانا و أنصارا.
و هذا أيضا غريب من هذا الوجه و عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي فيه ضعف فاللَّه أعلم. و
قال الطبراني أيضا: حدّثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل حدّثنى سعيد بن محمد الجرمي حدّثنا أبو نميلة حدّثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخندق، و أصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل نعم. قال أما لا فتقدّم فدلنا عليه.
فانطلقوا الى [بيت] الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت امرأته أن جيء فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أتانا فجاء الرجل يسعى و قال: بأبي و أمى و له معزة و معها جديها فوثب اليها فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الجدي من ورائها فذبح الجدي و عمدت المرأة الى طحينة لها فعجنتها و خبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه فوضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إصبعه فيها و قال بسم اللَّه اللَّهمّ بارك فيها أطعموا فأكلوا منها حتى صدروا و لم يأكلوا منها إلا ثلثها و بقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا و سرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا