البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٩ - عمرة القضاء
تشتدون حوله و عبد اللَّه بن رواحة يقول:
بسم الّذي لا دين إلا دينه* * * بسم الّذي محمد رسوله
خلوا بنى الكفار عن سبيله
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من العام القابل من عام الحديبيّة معتمرا في ذي القعدة سنة سبع و هو الشهر الّذي صده المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الاداة كلها الحجف و المجان و الرماح و النبل و دخلوا بسلاح الراكب السيوف و بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين يديه جعفر بن أبى طالب الى ميمونة بنت الحارث العامرية فحطبها عليه فجعلت أمرها إلى العباس و كان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث فزوجها العباس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر أصحابه قال «اكشفوا عن المناكب و اسعوا في الطواف»
ليرى المشركون جلدهم و قوتهم و كان يكايدهم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة الرجال و النساء و الصبيان ينظرون إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه و هم يطوفون بالبيت و عبد اللَّه بن رواحة يرتجز بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متوشحا بالسيف و هو يقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله* * * أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله* * * في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله* * * كما ضربنا كم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله* * * و يذهل الخليل عن خليله
قال: و تغيب رجال من أشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غيظا و حنقا، و نفاسة و حسدا، و خرجوا الى الخندمة فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة و أقام ثلاث ليال، و كان ذلك آخر القضية يوم الحديبيّة، فلما أتى الصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو و حويطب بن عبد العزى و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب بن عبد العزى: نناشدك اللَّه و العقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث، فقال سعد بن عبادة:
كذبت لا أم لك ليس بأرضك و لا بأرض آبائك و اللَّه لا يخرج، ثم نادى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سهيلا و حويطبا
فقال: «إني قد نكحت فيكم امرأة فما يضركم أن أمكث حتى أدخل بها و نصنع الطعام فنأكل و تأكلون معنا» فقالوا نناشدك اللَّه و العقد إلا خرجت عنا،
فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبا رافع فأذن بالرحيل، و ركب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى نزل ببطن سرف و أقام المسلمون و خلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبا رافع ليحمل ميمونة، و أقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة و قد لقيت ميمونة و من معها عناء