البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٧ - عمرة القضاء
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ الآية و قد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه كفاية و هي الموعود بها في
قوله عليه الصلاة و السلام لعمر بن الخطاب حين قال له أ لم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت و نطوف به؟ قال «بلى أ فأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟» قال لا قال «فإنك آتيه و مطوف به»
و هي المشار اليها في قول عبد اللَّه بن رواحة حين دخل بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى مكة يوم عمرة القضاء و هو يقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله* * * اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربنا كم على تنزيله
أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جاءت مثل فلق الصبح.
قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خيبر الى المدينة أقام بها شهري ربيع و جماديين و رجبا و شعبان و شهر رمضان و شوالا يبعث فيما بين ذلك سراياه ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الّذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها. قال ابن هشام: و استعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي و يقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الّذي صدوه فيه من سنة سبع، بلغنا عن ابن عباس أنه قال فأنزل اللَّه تعالى في ذلك وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ و قال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه لما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خيبر أقام بالمدينة و بعث سراياه حتى استهل ذي القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا للعمرة فتجهزوا و خرجوا الى مكة.
و قال ابن إسحاق: و خرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك و هي سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه و تحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة و جهد و شدة.
قال ابن إسحاق:
فحدثني من لا أتهم عن عبد اللَّه بن عباس قال: صفوا له عند دار الندوة لينظروا اليه و الى أصحابه فلما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسجد اضطبع بردائه و أخرج عضده اليمنى ثم قال «رحم اللَّه امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة» ثم استلم الركن ثم خرج يهرول و يهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم و استلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف و مشى سائرها فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست عليهم و ذلك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها.
و قال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد- هو ابن زيد- عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم و قد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)