البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٥ - فصل في غزوة بنى قريظة
عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه الى عنقه بحبل. فلما نظر الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال أما و اللَّه ما لمت نفسي في عداوتك و لكنه من يخذل اللَّه يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، انه لا بأس بأمر اللَّه، كتاب و قدر و ملحمة كتبها اللَّه على بنى إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوال الثعلبي:
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه* * * و لكنه من يخذل اللَّه يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها* * * و قلقل يبغى العز كل مقلقل
و ذكر ابن إسحاق قصة الزبير بن باطا و كان شيخا كبيرا قد عمى و كان قد منّ يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شماس و جز ناصيته فلما كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال: هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: و هل يجهل مثلي مثلك فقال له ثابت أريد أن أكافئك فقال: ان الكريم يجزى الكريم فذهب ثابت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستطلقه فاطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال شيخ كبير لا أهل و لا ولد فما يصنع بالحياة فذهب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستطلق له امرأته و ولده فأطلقهم له ثم جاءه فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستطلق مال الزبير بن باطا فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال له يا ثابت ما فعل الّذي كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى حي كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر و البادي حيي بن أخطب؟ قال قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا و حاميتنا إذا فررنا: عزال بن شموال؟ قال:
قتل. قال فما فعل المجلسان؟- يعنى بنى كعب بن قريظة و بنى عمرو بن قريظة- قال: ذهبوا قتلوا، قال فانى أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتنى بالقوم فو اللَّه ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر للَّه فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت فضربت عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله «ألقى الاحبة» قال «يلقاهم و اللَّه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا» قال ابن إسحاق «فيلة» بالفاء و الياء المثناة من أسفل و قال ابن هشام بالقاف و الباء الموحدة. و قال ابن هشام: الناضح البعير الّذي يستقى عليه الماء لسقي النخل، و قال أبو عبيدة: معناه افراغة دلو قال ابن إسحاق: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. فحدثني شعبة بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أمر أن يقتل من بنى قريظة كل من أنبت منهم و كنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي. و رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي نحوه. و قد استدل به من ذهب من العلماء الى أن إنبات الشعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ بل هو بلوغ في أصح قولي الشافعيّ. و من العلماء من يفرق بين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم دون غيرهم لان المسلم قد يتأذى بذلك