البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - غزوة مؤتة
على معان ليلتين ينظرون في أمرهم، و قالوا نكتب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نخبره بعدد عدونا، فاما أن يمدنا بالرجال، و إما ان يأمرنا بأمره فنمضى له، قال فشجع الناس عبد اللَّه بن رواحة و قال: يا قوم و اللَّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، و ما نقاتل الناس بعدد و لا قوة و لا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الّذي أكرمنا اللَّه به، فانطلقوا فإنما هي احدى الحسنيين، إما ظهور و إما شهادة، قال فقال الناس: قد و اللَّه صدق ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد اللَّه بن رواحة في محبسهم ذلك:
جلبنا الخيل من اجأ و فرع* * * تغرّ من الحشيش الى العكوم
حدوناها من الصوان سبتا* * * أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان* * * فاعقب بعد فترتها جموم
فرحنا و الجياد مسومات* * * تنفس في مناخرها سموم
فلا و ابى مآب لنأتينها* * * و إن كانت بها عرب و روم
فعبأنا أعنتها فجاءت* * * عوابس و الغبار لها يريم
بذي لحب كأن البيض فيه* * * إذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها* * * أسنتنا [١] فتنكح أو تئيم
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر أنه حدث عن زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد اللَّه بن رواحة في حجره، فخرج بى في سفره ذلك مردفى على حقيبة رحله فو اللَّه انه ليسير ليلتئذ سمعته و هو ينشد أبياته هذه:
إذا أدنيتنى و حملت رحلي* * * مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم و خلاك ذم* * * و لا أرجع الى أهلي ورائي
و جاء المسلمون و غادرونى* * * بأرض الشام مستنهى [٢] الثواء
و ردك كل ذي نسب قريب* * * الى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالى طلع بعل* * * و لا نخل أسافلها رواء
قال فلما سمعتهن منه بكيت، فخفقني بالدرة و قال: ما عليك يا لكع أن يرزقني اللَّه الشهادة و ترجع بين شعبتى الرحل؟ ثم قال عبد اللَّه بن رواحة في بعض سفره ذلك و هو يرتجز.
يا زيد زيد اليعملات الذبل* * * تطاول الليل هديت فانزل
[١] في ابن هشام: أسنتها.
[٢] قال السهيليّ: مستنهى الثواء مستفعل من النهاية و الانتهاء أي حيث انتهى مثواه، و من رواه مشتهى الثواء (كما في الأصل) أي لا أريد رجوعا.