البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٩ - ذكر بعثه الى كسرى ملك الفرس
ثم اذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقبض منه، فقال شجاع بن وهب: لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال كسرى ادنه فدنا فناوله الكتاب ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه فإذا فيه، من محمد بن عبد اللَّه و رسوله إلى كسرى عظيم فارس. قال فأغضبه حين بدأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه و صاح و غضب و مزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه، و أمر بشجاع ابن وهب فاخرج، فلما رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار ثم قال: و اللَّه ما أبالى على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال و لما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث الى شجاع ليدخل عليه فالتمس فلم يوجد، فطلب إلى الحيرة فسبق، فلما قدم شجاع على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبره بما كان من أمر كسرى و تمزيقه لكتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «مزق كسرى ملكه»
و روى محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن أبى سلمة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث عبد اللَّه بن حذافة بكتابه إلى كسرى؟ فلما قرأه مزقه، فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «مزق ملكه»
و قال ابن جرير [١] حدثنا أحمد بن حميد ثنا سلمة ثنا ابن إسحاق عن زيد بن أبى حبيب قال: و بعث عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس و كتب معه، بسم اللَّه الرحمن الرحيم من محمد رسول اللَّه إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، و آمن باللَّه و رسوله و شهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، و أدعوك بدعاء اللَّه فانى أنا رسول اللَّه إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا و يحق القول على الكافرين.
فان تسلم تسلم و إن أبيت فان إثم المجوس عليك. قال فلما قرأه شقه و قال: يكتب إلى بهذا و هو عبدي؟! قال ثم كتب كسرى الى باذام و هو نائبة على اليمن أن ابعث الى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به، فبعث باذام قهرمانه- و كان كاتبا حاسبا- بكتاب فارس و بعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخرة، و كتب معهما الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأمره أن ينصرف معهما الى كسرى و قال: لأبا ذويه ايت بلاد هذا الرجل و كلمه و ائتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجلا من قريش في أرض الطائف فسألوه عنه فقال هو بالمدينة، و استبشر أهل الطائف- يعنى و قريش بهما- و فرحوا. و قال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل، فخرجا حتى قدما على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكلمه أبا ذويه فقال: شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب الى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك و قد بعثني إليك لتنطلق معى، فان
[١] في ابن جرير اختلاف في الأسماء فإنه سمى باذام باذان و ابا ذويه بابويه و خرخرة خرخسرة الى غير ذلك فراجعه في السنة السادسة.