البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٦ - غزوة بنى النضير
من ذهب منهم الى خيبر سلام بن أبى الحقيق و كنانة بن الربيع بن أبى الحقيق و حيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها. فحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر انه حدث انهم استقبلوا بالنساء و الأبناء و الأموال معهم الدفوف و المزامير و القيان يعزفن خلفهم بزهاء و فخر ما رئي مثله لحي من الناس في زمانهم. قال و خلوا الأموال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعنى النخيل و المزارع فكانت له خاصة يضعها حيث شاء فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار الا ان سهل بن حنيف و أبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما (و أضاف بعضهم اليهما الحارث بن الصمة حكاه السهيليّ). قال ابن إسحاق و لم يسلم من بنى النضير الا رجلان و هما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش و أبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما.
قال ابن إسحاق و قد حدثني بعض آل يامين ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال ليامين: أ لم تر ما لقيت من ابن عمك و ما همّ به من شأنى؟ فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله لعنه اللَّه.
قال ابن إسحاق فأنزل اللَّه فيهم سورة الحشر بكمالها يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته و ما سلط عليهم به رسوله و ما عمل به فيهم ثم شرع ابن إسحاق يفسرها و قد تكلمنا عليها بطولها مبسوطة في كتابنا التفسير و للَّه الحمد. قال اللَّه تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ وَ لَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ. سبح سبحانه و تعالى نفسه الكريمة و أخبر انه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية و السفلية و انه العزيز و هو منيع الجناب فلا ترام عظمته و كبرياؤه و انه الحكيم في جميع ما خلق و جميع ما قدر و شرع، فمن ذلك تقديره و تدبيره و تيسيره لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا اللَّه و رسوله و جانبوا رسوله و شرعه و ما كان من السبب المفضي لقتالهم كما تقدم حتى حاصرهم المؤيد بالمرعب و الرهب مسيرة شهر و مع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده و نفسه الشريفة ست ليال فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا و صالحوا على حقن دمائهم و أن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم على انهم لا يصحبون شيئا من السلاح اهانة لهم و احتقارا فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الابصار. ثم ذكر تعالى انه لو لم يصبهم الجلاء و هو التسيير و النفي من جوار الرسول من المدينة لأصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي و هو القتل مع ما ادخر لهم في الآخرة من العذاب الأليم المقدر لهم. ثم ذكر