البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٢ - قصة الافك
يكون بين هذين الحيين من الأوس و الخزرج شر، و نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فدخل عليّ فدعا عليّ بن أبى طالب و أسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا و قاله ثم قال يا رسول اللَّه أهلك و ما نعلم منهم الا خيرا و هذا الكذب و الباطل. و أما على فإنه قال يا رسول اللَّه ان النساء لكثير و انك لقادر على أن تستخلف و سل الجارية فإنها ستصدقك. فدعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بريرة يسألها قالت فقام اليها عليّ فضربها ضربا شديدا و يقول: أصدقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قالت فتقول و اللَّه ما أعلم الاخيرا و ما كنت أعيب على عائشة شيئا الا انى كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتى الشاة فتأكله. قالت ثم دخل عليّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عندي أبواي و عندي امرأة من الأنصار و أنا أبكى و هي تبكى فجلس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال يا عائشة انه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقى اللَّه و ان كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي الى اللَّه فان اللَّه يقبل التوبة عن عباده. قالت فو اللَّه ان هو الا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا و انتظرت أبويّ أن يجيبا عنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يتكلما. قالت و أيم اللَّه لأنا كنت أحقر في نفسي و أصغر شأنا من أن ينزل اللَّه فىّ قرآنا يقرأ به و يصلى به، و لكنى كنت أرجو أن يرى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نومه شيئا يكذّب اللَّه به عنى لما يعلم من براءتي و يخبر خبرا و أما قرآنا ينزل فىّ فو اللَّه لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك قالت فلما لم أر أبويّ يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقالا و اللَّه ما ندري بما نجيبه. قالت و اللَّه ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبى بكر في تلك الأيام قالت فلما استعجما عليّ استعبرت فبكيت ثم قلت و اللَّه لا أتوب الى اللَّه مما ذكرت أبدا و اللَّه انى لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس و اللَّه يعلم انى منه بريئة لأقولن ما لم يكن و لئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني قالت ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت و لكن سأقول كما قال أبو يوسف فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ قالت فو اللَّه ما برح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مجلسه حتى تغشاه من اللَّه ما كان يتغشاه فسجى بثوبه و وضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فو اللَّه ما فزعت و ما باليت قد عرفت انى بريئة و ان اللَّه غير ظالمي و أما أبواي فو الّذي نفس عائشة بيده ما سرّى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتّى ظننت لتحرجن أنفسهما فرقا من أن يأتى من اللَّه تحقيق ما قال الناس. قالت ثم سرّى عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجلس و انه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن وجهه و يقول: أبشرى يا عائشة قد أنزل اللَّه عز و جل براءتك. قالت قلت الحمد للَّه. ثم خرج الى الناس فحطبهم و تلا عليهم ما أنزل اللَّه عز و جل من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن أثاثة و حسان بن ثابت و حمنة بنت جحش و كانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدّهم