البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - عمرة القضاء
فتيان من أسلم، و قد ساق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في عمرة القضية ستين بدنة. فحدثني محمد بن نعيم المجمر عن أبيه عن أبى هريرة قال: كنت مع صاحب البدن أسوقها. قال الواقدي و سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يلبى و المسلمون معه يلبون، و مضى محمد بن مسلمة بالخيل الى مر الظهران فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة؟ فقال هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصبح هذا المنزل غدا إن شاء اللَّه، و رأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح و الخيل، ففزعت قريش و قالوا و اللَّه ما أحدثنا حدثا و إنا على كتابنا و هدنتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ و نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مر الظهران، و قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) السلاح الى بطن يأجج حيث ينظر الى أنصاب الحرم، و
بعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش حتى لقوة ببطن يأجج و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أصحابه و الهدى و السلاح قد تلاحقوا، فقالوا يا محمد ما عرفت صغيرا و لا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك و قد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إني لا أدخل عليهم السلاح» فقال مكرز بن حفص: هذا الّذي تعرف به البر و الوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة.
فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرجت قريش من مكة الى رءوس الجبال و خلوا مكة و قالوا لا ننظر اليه و لا إلى أصحابه، فامر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالهدى أمامه حتى حبس بذي طوى، و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه و هو على ناقته القصواء و هم محدقون به يلبون و هم متوشحون السيوف، فلما انتهى إلى ذي طوى وقف على ناقته القصواء و ابن رواحة آخذ بزمامها و هو يرتجز بشعره و يقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله
إلى آخره و في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه صبيحة رابعة- يعنى من ذي القعدة سنة سبع- فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يرملوا الأشواط الثلاثة، و أن يمشوا بين الركنتين، و لم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
قال الإمام احمد: حدثنا محمد بن الصباح ثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد اللَّه ابن عثمان عن أبى الطفيل عن ابن عباس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن قريشا تقول: ما يتباعثون من العجف، فقال أصحابه: لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه و حسونا من مرقة أصبحنا غدا حين ندخل على القوم و بنا جمامة، فقال «لا تفعلوا و لكن أجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له و بسطوا الأنطاع فأكلوا حتى تركوا، و حشى كل واحد منهم في جرابه، ثم أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى دخل المسجد و قعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع بردائه ثم قال «لا يرى القوم فيكم غميزة» فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى الى الركن