البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - ذكر سياق البخاري لعمرة الحديبيّة
و كسرى و النجاشي، و اللَّه إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، و اللَّه إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده و إذا أمرهم ابتدروا أمره و إذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده و ما يحدون النظر اليه تعظيما له، و انه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بنى كنانة دعوني آتيه. فقالوا ائته. فلما أشرف على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هذا فلان و هو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له. فبعثت له و استقبله الناس يلبون. فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع الى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلّدت و أشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعوني آتيه. قالوا ائته. فلما أشرف عليهم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هذا مكرز و هو رجل فاجر فجعل يكلم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو. قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لقد سهل لكم من أمركم. قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل فقال هات فاكتب بيننا و بينكم كتابا. فدعا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكاتب فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل: أما الرحمن فو اللَّه ما أدرى ما هو و لكن أكتب باسمك اللَّهمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: و اللَّه لا نكتبها الا باسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اكتب باسمك اللَّهمّ، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: و اللَّه لو كنا نعلم انك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت و لا قاتلناك و لكن اكتب محمد بن عبد اللَّه. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه انى لرسول اللَّه و ان كذبتموني. اكتب محمد بن عبد اللَّه. قال الزهري: و ذلك لقوله لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه، الا أعطيتهم إياها؟ فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): على أن تخلوا بيننا و بين البيت فنطوف به. قال سهيل: و اللَّه لا تتحدث العرب انا أخذنا ضغطة و لكن ذلك من العام المقبل فكتب. فقال سهيل و على أنه لا يأتيك منا رجل و ان كان على دينك الا رددته إلينا. قال المسلمون سبحان اللَّه كيف يرد الى المشركين و قد جاء مسلما. فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده و قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده الىّ فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انا لم نقض الكتاب بعد. قال فو اللَّه إذا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فأجزه لي. قال ما أنا بمجيزه لك. قال: بلى فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أردّ الى المشركين و قد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت- و كان قد عذب عذابا شديدا في اللَّه- فقال عمر رضى اللَّه عنه فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت: أ لست نبي اللَّه حقا؟ قال: بلى، قلت: أ لسنا على الحق