البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - فصل
من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ على بن أبى طالب بيده و رفعه طلحة بن عبيد اللَّه حتى استوى قائما و مص مالك بن سنان أبو أبى سعيد الدم من وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار قلت و
ذكر قتادة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما وقع لشقه أغمى عليه فمر به سالم مولى أبى حذيفة فأجلسه و مسح الدم عن وجهه فأفاق و هو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم الى اللَّه فأنزل اللَّه لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الآية رواه ابن جرير و هو مرسل
و سيأتي بسط هذا في فصل وحده قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال اللَّه تعالى وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ* إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ الآية
قال الامام أحمد حدثنا [عبد اللَّه حدثني أبى حدثني] سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد اللَّه عن ابن عباس أنه قال: ما نصر اللَّه في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكرنا ذلك فقال بيني و بين من أنكر ذلك كتاب اللَّه ان اللَّه يقول في يوم أحد وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ يقول ابن عباس و الحسّ القتل حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ الى قوله وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ و انما عنى بهذا الرماة و ذلك أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا و ان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون و قد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهم هكذا (و شبك بين أصابع يديه) و التبسوا فلما أخلّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا و قتل من المسلمين ناس كثير و قد كان لرسول اللَّه و أصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة و جال المسلمون جولة نحو الجبل و لم يبلغوا حيث يقول الناس الغار انما كان تحت المهراس، و صاح الشيطان: قتل محمد! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين السعدين نعرفه بتكفّيه إذا مشى قال ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال فرقى نحونا و هو يقول اشتد غضب اللَّه على قوم دموا وجه رسول اللَّه. و يقول مرة أخرى اللَّهمّ انه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، مرتين (يعنى آلهته)، أين ابن ابى كبشة أين ابن ابى قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب أ لا أجيبه؟ قال بلى قال فلما قال أعل هبل قال: اللَّه أعلى و أجل. فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت