البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٠ - ذكر خروج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه على ملهم من القرح و الجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له و لأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد و هي على ثمانية أميال من المدينة
حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال و ما قلت؟ قال قلت:
كادت تهدّ من الأصوات راحلتي* * * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة* * * عند اللقاء و لا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الأرض مائلة* * * لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم* * * إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية* * * لكل ذي اربة منهم و معقول
من جيش أحمد لا و خش قنابله* * * و ليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال فثنى ذلك أبا سفيان و من معه. و مرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا المدينة، قال: و لم؟ قالوا نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها اليه و احمل لكم ابلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه انا قد أجمعنا السير اليه و الى أصحابه لنستأصل بقيتهم.
فمر الركب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.
و كذا قال الحسن البصري.
و قد قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر عن أبى حصين عن أبى الضحى عن ابن عباس: حسبنا اللَّه و نعم الوكيل قالها إبراهيم (عليه السلام) حين ألقى في النار و قالها محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين قالوا ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا و قالوا حسبنا اللَّه و نعم الوكيل.
تفرد بروايته البخاري
و قد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ قالت لعروة: يا ابن أختى كان أبواك منهم الزبير و أبو بكر رضى اللَّه عنهما لما أصاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما أصاب يوم أحد و انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم.
فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر و الزبير. هكذا رواه البخاري و قد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام و هكذا رواه سعيد بن منصور و أبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة. و أخرجه ابن ماجة من طريقه عن هشام بن عروة به. و رواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام ابن عروة به و رواه من حديث السدي عن عروة و قال في كل منهما صحيح و لم يخرجاه.
كذا قال. و هذا السياق غريب جدا فان المشهور عند أصحاب المغازي ان الذين خرجوا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى حمراء الأسد كل من شهد أحدا و كانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون و بقي الباقون. و قد روى ابن جرير من طريق العوفيّ عن ابن عباس قال: ان اللَّه قذف في قلب أبى سفيان الرعب يوم أحد بعد الّذي كان منه فرجع الى مكة و كانت وقعة أحد في شوال و كان التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة و انهم قدموا بعد وقعة أحد
و كان أصاب المسلمين