البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩١ - فصل
لكم به، فمن دخل دار أبى سفيان فهو آمن، فقامت اليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم، فقال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، قالوا قاتلك اللَّه و ما تغني عنا دارك؟ قال و من أغلق عليه بابه فهو آمن، و من دخل المسجد فهو آمن. فتفرق الناس الى دورهم و إلى المسجد [و
ذكر عروة بن الزبير أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما مر بأبي سفيان قال له: إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه على؟ فقال له رسول اللَّه: «أنت فعلت هذا و قومك إن هؤلاء صدقونى إذ كذبتموني و نصروني إذ أخرجتمونى» ثم شكى اليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فقال رسول اللَّه: «كذب سعد بل هذا يوم يعظم اللَّه فيه الكعبة و يوم تكسى فيه الكعبة»
و ذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس و رأى الناس يجنحون للصلاة و ينتشرون في استعمال الطهارة خاف و قال للعباس ما بالهم؟ قال إنهم سمعوا النداء فهم ينتشرون للصلاة، فلما حضرت الصلاة و رآهم يركعون بركوعه و يسجدون بسجوده قال: يا عباس ما يأمرهم بشيء الا فعلوه؟ قال نعم و اللَّه لو أمرهم بترك الطعام و الشراب لأطاعوه. و ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أنه لما توضأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جعلوا يتكففون، فقال يا عباس ما رأيت كالليلة و لا ملك كسرى و قيصر] [١]. و قد روى الحافظ البيهقي عن الحاكم و غيره عن الأصم عن أحمد بن الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني الحسين ابن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي عن ابن إسحاق منقطعة فاللَّه اعلم. على أنه قد
روى البيهقي من طريق أبى بلال الأشعري عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس قال: جاء العباس بابي سفيان الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال فذكر القصة الا أنه ذكر أنه أسلم ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أنه لما قال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «من دخل دار أبى سفيان فهو آمن» قال أبو سفيان و ما تسع داري؟ فقال «و من دخل الكعبة فهو آمن» قال و ما تسع الكعبة؟ فقال «و من دخل المسجد فهو آمن» قال و ما يسع المسجد فقال «و من أغلق عليه بابه فهو آمن» فقال أبو سفيان هذه واسعة.
و قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال: لما سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب و حكيم بن حزام و بديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان ما هذه كأنها نيران عرفة؟ فقال بديل بن ورقاء نيران بنى
[١] ما بين المربعين لم يرد في النسخة الحلبية و لا التيمورية.