البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٨ - غزوة الخندق و هي غزوة الأحزاب
الحياء ما لا يعلمه إلا اللَّه و قلت جاءنا بخلق على صاع من شعير و عناق. و دخلت على امرأتي أقول:
افتضحت جاءك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت:
نعم. فقالت اللَّه و رسوله أعلم. قال فكشفت عنى غما شديدا، قال فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال خدمي و دعينى من اللحم. و جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يثرد و يغرف اللحم و يخمر هذا و يخمر هذا فما زال يقرب الى الناس حتى شبعوا أجمعين و يعود التنور و القدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كلى و اهدى فلم تزل تأكل و تهدى يومها. و قد رواه كذلك أبو بكر بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر به و أبسط أيضا، و قال في آخره: و أخبرنى أنهم كانوا ثمانمائة أو قال ثلاثمائة. و قال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن أبى الزبير عن جابر. فذكر القصة بطولها في الطعام فقط و قال و كانوا ثلاثمائة.
ثم قال البخاري:
حدّثنا عمرو بن على حدثنا أبو عاصم حدثنا حنظلة بن أبى سفيان عن أبى الزبير حدثنا ابن ميناء سمعت جابر بن عبد اللَّه قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خمصا فانكفأت الى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإنّي رأيت برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير و لنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت الى فراغي و قطعتها في برمتها ثم و ليت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت لا تفضحني برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بمن معه، فجئته فساررته فقلت يا رسول اللَّه ذبحت بهيمة لنا و طحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت و نفر معك. فصاح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال:
يا أهل الخندق ان جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تنزلن برمتكم و لا تخبزن عجينكم حتى أجيء. فجئت و جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت بك و بك. فقلت قد فعلت الّذي قلت. فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه و بارك ثم عمد الى برمتنا فبسق و بارك ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك و اقدحى من برمتك و لا تنزلوها و هم ألف فأقسم باللَّه لا كلوا حتى تركوه و انحرفوا و ان برمتنا لتغط كما هي و ان عجيننا كما هو. و رواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبى عاصم به نحوه.
و قد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث و في سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد اللَّه قال: عملنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الخندق و كانت عند شويهة غير جد سمينة قال فقلت و اللَّه لو صنعناها لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال و أمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا و ذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما أمسينا و أراد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الانصراف عن الخندق قال و كنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا الى أهالينا فقلت يا رسول اللَّه انى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا و صنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فانا أحب أن تنصرف معى الى منزلي قال و انما أريد أن ينصرف معى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وحده. قال فلما أن قلت ذلك قال نعم ثم أمر صارخا فصرخ أن