البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - فصل في دعائه (عليه السلام) على الأحزاب
قريظة قد عرفتم ودى إياكم و خاصة ما بيني و بينكم. قالوا صدقت لست عندنا بمتهم. فقال لهم ان قريشا و غطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم و أبناؤكم و نساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه الى غيره و ان قريشا و غطفان قد جاءوا لحرب محمد و أصحابه و قد ظاهرتموهم عليه و بلدهم و نساؤهم و أموالهم بغيره فليسوا كأنتم فان رأوا نهزة أصابوها و ان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم و خلوا بينكم و بين الرجل ببلدكم و لا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. قالوا لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب و من معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم و فراقي محمدا، و انه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى. قالوا نفعل قال تعلموا ان معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم و بين محمد و قد أرسلوا اليه انا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش و غطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم. فأرسل اليهم ان نعم. فان بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا اليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان انكم أصلى و عشيرتي و أحبّ الناس الى و لا أراكم تتهموني. قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عنى قالوا نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش و حذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس و كان من صنيع اللَّه تعالى لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أرسل أبو سفيان بن حرب و رءوس غطفان الى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش و غطفان فقال لهم انا لسنابدار مقام هلك الخف و الحافر فاعدّوا للقتال حتى نناجز محمدا و نفرغ مما بيننا و بينه. فأرسلوا اليهم: ان اليوم يوم السبت و هو يوم لا نعمل فيه شيئا و قد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم و لسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فانا نخشى ان ضرستكم الحرب و اشتد عليكم القتال ان تنشمروا الى بلادكم و تتركونا و الرجل في بلادنا و لا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت اليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش و غطفان: و اللَّه أن الّذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ. فأرسلوا الى بنى قريظة: انا و اللَّه لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت اليهم الرسل بهذا ان الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم الا أن تقاتلوا فان رأوا فرصة انتهزوها و ان كان غير ذلك انشمروا الى بلادهم و خلوا بينكم و بين الرجل في بلدكم. فأرسلوا الى قريش و غطفان انا و اللَّه ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم و خذل اللَّه بينهم و بعث اللَّه الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم و تطرح آنيتهم