البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - فصل في فتح حصونها و قسيمة أرضها
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أكل تمر خيبر هكذا؟» قال لا و اللَّه يا رسول اللَّه إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين و الصاعين بالثلاثة، فقال «لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا».
قال البخاري و قال الدراوَرْديّ عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد و أبا هريرة حدثاه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث أخا بنى عدي من الأنصار الى خيبر و أمره عليها، و عن عبد المجيد عن أبى صالح السمان عن أبى سعيد و أبى هريرة مثله.
قلت: كان سهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي أصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر و فدك بكمالها و هي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه (صلوات اللَّه و سلامه عليه) فصالحوه، و أموال بنى النضير المتقدم ذكرها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت هذه الأموال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة و كان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال اللَّه يصرفه في الكراع و السلاح و مصالح المسلمين، فلما مات (صلوات اللَّه و سلامه عليه) اعتقدت فاطمة و أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- أو أكثرهن- أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه و لم يبلغهن ما ثبت عنه من
قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقة»
و لما طلبت فاطمة و أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و العباس نصيبهم من ذلك و سألوا الصديق أن يسلمه اليهم، و ذكر لهم
قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لا نورث ما تركنا صدقة»
و قال: أنا أعول من كان يعول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و اللَّه لقرابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب الى أن أصل من قرابتي، و صدق رضى اللَّه عنه و أرضاه فإنه البار الراشد في ذلك التابع للحق، و طلب العباس و على على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة و أن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصرفها فيها، فأبى عليهم الصديق ذلك و رأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أن لا يخرج من مسلكه و لا عن سننه. فتغضبت فاطمة رضى اللَّه عنها عليه في ذلك و وجدت في نفسها بعض الموجدة و لم يكن لها ذلك. و الصديق من قد عرفت هي و المسلمون محله و منزلته من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قيامه في نصرة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حياته و بعد وفاته فجزاه اللَّه عن نبيه و عن الإسلام و أهله خيرا، و توفيت فاطمة رضى اللَّه عنها بعد ستة أشهر ثم جدد على البيعة بعد ذلك، فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة الى على و العباس و ثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر رضى اللَّه عنه ذلك و ذلك لكثرة أشغاله و اتساع مملكته و امتداد رعيته، فتغلب على على عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان الى عمر و قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة و سألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر. فامتنع عمر من ذلك أشد الامتناع و خشي أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة المواريث و قال انظرا فيها و أنتما جميع فان عجزتما عنها فادفعاها الى، و الّذي تقوم السماء و الأرض بأمره لا أقضى فيها قضاء غير هذا. فاستمرا فيها و من