البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٨ - فصل في غزوة بنى قريظة
صلاة العصر حتى تأتوا بنى قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا، و قالت طائفة: و اللَّه إنا لفي عزيمة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا و احتسابا و تركت طائفة ايمانا و احتسابا و لم يعنف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين. و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فمرّ بمجالس بينه و بين بنى قريظة فقال هل مرّ بكم أحد؟ فقالوا مرّ علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال:
ذلك جبريل أرسل الى بنى قريظة ليزلزلهم و يقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم، فناداهم يا اخوة القردة و الخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ و كانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم و تسبى ذراريهم و نساؤهم.
و لهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة و غيرها. و قد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور و معذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخّروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بنى قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا. قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: و علم اللَّه أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بنى قريظة و لو بعد أيام. و هذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر. و قالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم و هم في مسيرهم هم المصيبون لانهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بنى قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، و لهذا لم يعنفهم و لم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، و أما أولئك الذين أخّروا فعذروا بحسب ما فهموا، و أكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء و قد فعلوه. و أما على قول من يجوّز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخّر و لا على من قدّم أيضا و اللَّه أعلم ثم قال ابن إسحاق: و قدّم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عليّ بن أبى طالب و معه رايته و ابتدرها الناس.
و قال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مغتسله كما يزعمون قد رجّل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأمته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز فخرج اليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال له جبريل: غفر اللَّه لك أو قد وضعت السلاح؟ قال نعم. فقال جبريل:
لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدوّ و ما زلت في طلبهم حتى هزمهم اللَّه- و يقولون ان على وجه جبريل لأثر الغبار- فقال له جبريل: ان اللَّه قد أمرك بقتال بنى قريظة فأنا عامد اليهم بمن معي