البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٥ - فصل
شيء أصنعه لكم، و اللَّه ما أصنع ذلك إلا لانى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة و كالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم الى أمر مّا. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول اللَّه قد كنا و هؤلاء على الشرك باللَّه و عبادة الأوثان لا نعبد اللَّه و لا نعرفه و هم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أ فحين أكرمنا اللَّه بالإسلام و هدانا له و أعزنا بك و به نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، و اللَّه لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم اللَّه بيننا و بينهم. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنت و ذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال:
ليجهدوا علينا. قال فأقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه محاصرين و لم يكن بينهم و بين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش- منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبى قيس أحد بنى عامر بن لؤيّ، و عكرمة بن أبى جهل، و هبيرة بن أبى وهب المخزوميان، و ضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بنى محارب بن فهر- تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا تهيئوا يا بنى كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى و قفوا على الخندق فلما رأوه قالوا و اللَّه ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق و سلع، و خرج عليّ بن أبى طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم و أقبلت الفرسان تعنق نحوهم، و كان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو و خيله قال: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن أبى طالب رضى اللَّه عنه، فقال له:
يا عمرو انك كنت عاهدت اللَّه لا يدعوك رجل من قريش الى احدى خلتين الا أخذتها منه، قال أجل. قال له عليّ: فانى أدعوك الى اللَّه و الى رسوله و إلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك.
قال: فانى أدعوك الى النزال. قال له: لم يا ابن أخى فو اللَّه ما أحب أن أقتلك. قال له عليّ: لكنى و اللَّه أحب أن أقتلك. فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره و ضرب وجهه ثم أقبل على عليّ فتنازلا و تجاولا فقتله عليّ رضى اللَّه عنه و خرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق و قال عليّ بن أبى طالب في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه* * * و نصرت رب محمد بصواب
فصدرت حين تركته متجدلا* * * كالجذع بين دكادك و روابي
و عففت عن أثوابه و لو اننى* * * كنت المقطر بزّنى أثوابى
لا تحسبن اللَّه خاذل دينه* * * و نبيه يا معشر الأحزاب
قال ابن هشام: و أكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلىّ. قال ابن هشام: و ألقى عكرمة