البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٣ - فصل في دعائه (عليه السلام) على الأحزاب
و هذا الّذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة.
و قد أورده عنه البيهقي في الدلائل فإنه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مرّ برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذات يوم عشاء، فأشار اليه أن تعال، فجاء فقال:
ما وراءك؟ فقال: انه قد بعثت قريش و غطفان الى بنى قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا اليهم فيناجزوك، فقالت قريظة نعم فأرسلوا إلينا بالرهن. و قد ذكر فيما تقدم: أنهم انما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إني مسرّ إليك شيئا فلا تذكره، قال: انهم قد أرسلوا إليّ يدعونني الى الصلح و أردّ بنى النضير الى دورهم و أموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدا الى غطفان. و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «الحرب خدعة و عسى أن يصنع اللَّه لنا»
فأتى نعيم غطفان و قريشا فأعلمهم، فبادر القوم و أرسلوا الى بنى قريظة عكرمة و جماعة معه و اتفق ذلك ليلة السبت يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلّت اليهود بالسبت، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع اللَّه بينهم و اختلفوا. قلت: و قد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش و غطفان بعثوا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يريدون منه الصلح على أن يرد بنى النضير الى المدينة و اللَّه أعلم قال ابن إسحاق: فلما انتهى الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما اختلف من أمرهم و ما فرّق اللَّه من جمعهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه اليهم لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد اللَّه أ رأيتم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و صحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخى، قال فكيف كنتم تصنعون؟ قال و اللَّه لقد كنا نجتهد، قال: و اللَّه لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض و لحملناه على أعناقنا، قال فقال حذيفة: يا ابن أخى و اللَّه لقد رأيتنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالخندق و صلّى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هويّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع- فشرط له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الرجعة- أسأل اللَّه أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف و شدة الجوع و البرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما ذا يفعلون و لا تحدثن شيئا حتى تأتينا، قال فذهبت فدخلت في القوم و الريح و جنود اللَّه تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا و لا نارا و لا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الّذي كان الى جنبي فقلت من أنت؟ قال فلان ابن فلان، ثم قال: يا معشر قريش انكم و اللَّه ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع و الخف و أخلفتنا بنو قريظة و بلغنا عنهم الّذي نكره و لقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر و لا تقوم لنا نار و لا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فانى مرتحل، ثم قام الى جمله و هو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به