البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - غزوة أوطاس
ضربه بسيفه فلم يغن شيئا، قال: بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ثم اضرب به و ارفع عن العظام و اخفض عن الدماغ فأنى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب و اللَّه يوم منعت فيه نساءك، فزعم بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه و بطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما و اللَّه لقد أعتق أمهات لك ثلاثا. ثم ذكر ابن إسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد أباها فمن ذلك قولها:
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا* * * فظل دمعي على السربال منحدر
لو لا الّذي قهر الأقوام كلهم* * * رأت سليم و كعب كيف يأتمر
إذن لصبّحهم غبا و ظاهرة* * * حيث استقرت نواهم جحفل ذفر
قال ابن إسحاق: و بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى أبو عامر فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري و هو ابن عمه فقاتلهم ففتح اللَّه عليه و هزمهم اللَّه عز و جل، و يزعمون أن سلمة بن دريد هو الّذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله و قال:
إن تسألوا عنى فانى سلمه* * * ابن سمادير لمن توسّمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمة
قال ابن إسحاق: و حدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر و حديثه أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة إخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر و هو يدعوه الى الإسلام و يقول اللَّهمّ اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر و هو يدعوه الى الإسلام و يقول اللَّهمّ اشهد عليه فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه و هو يقول ذلك حتى قتل تسعة و بقي العاشر فحمل على أبى عامر و حمل عليه أبو عامر و هو يدعوه الى الإسلام و يقول اللَّهمّ اشهد عليه، فقال الرجل: اللَّهمّ لا تشهد عليّ فكف عنه أبو عامر فأفلت فأسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر»
قال و رمى أبا عامر، اخوان العلاء و أوفى أبناء الحارث من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه و الآخر ركبته فقتلاه، و ولى الناس أبا موسى فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بنى جشم يرثيهما:
إن الرزية قتل العلاء* * * و أوفى جميعا و لم يسندا
هما القاتلان أبا عامر* * * و قد كان داهية أربدا
هما تركاه لدى معرك* * * كأنّ على عطفه مجسدا