البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٥ - فصل في دعائه (عليه السلام) على الأحزاب
ما خلق اللَّه فزعا و لا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد فيه شيئا. قال فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتينى. قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد و إذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار و يمسح خاصرته و يقول: الرحيل الرحيل و لم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسى لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتينى فأمسكت و رددت سهمي الى كنانتي ثم انى شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرجيل الرحيل لا مقام لكم. و إذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا فو اللَّه انى لأسمع صوت الحجارة في رحالهم و فرشهم الريح تضرب بها ثم انى خرجت نحو رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما انتصفت بى الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن اللَّه قد كفاه. قال فرجعت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو مشتمل في شملة يصلى فو اللَّه ما عدا أن رجعت راجعني القر و جعلت أقرقف فأومأ الىّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده و هو يصلى فدنوت منه فأسبل عليّ شملته، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا حزبه أمر صلّى. فأخبرته خبر القوم، أخبرته أنى تركتهم يرحلون قال و أنزل اللَّه تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً يعنى الآيات كلها الى قوله وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً أي صرف اللَّه عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها عليهم و الجنود من الملائكة و غيرهم التي بعثها اللَّه اليهم و كفى اللَّه المؤمنين القتال أي لم يحتاجوا الى منازلتهم و مبارزتهم بل صرفهم القوى العزيز بحوله و قوته.
لهذا ثبت
في الصحيحين عن أبى هريرة قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لا إله إلا اللَّه وحده صدق وعده و نصر عبده و أعز جنده و هزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده.
و في قوله وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ اشارة الى وضع الحرب بينهم و بينهم و هكذا وقع و لم ترجع قريش بعدها الى حرب المسلمين كما
قال محمد بن إسحاق (رحمه اللَّه)، فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما بلغنا: لن تغزوكم قريش بعد عامكم و لكنكم تغزونهم. قال: فلم تغز قريش بعد ذلك و كان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح اللَّه عليه مكة
و هذا بلاغ من ابن إسحاق.
و قد قال الامام أحمد حدّثنا يحيى عن سفيان حدّثنى أبو إسحاق سمعت سليمان بن صرد رضى اللَّه يقول قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): الآن نغزوهم و لا يغزوننا. و هكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل و سفيان الثوري كلاهما عن أبى إسحاق السبيعي عن سليمان بن صرد به
قال ابن إسحاق: و استشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بنى عبد الأشهل و هم سعد بن معاذ- و ستأتي وفاته مبسوطة-