البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨ - مقتل حمزة رضى اللَّه عنه
قال: خرجت أنا و عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار أحد بنى نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص و كان وحشي مولى جبير قد سكنها و أقام بها فلما قدمناها قال عبيد اللَّه بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال قلت له: ان شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص فقال لنا رجل و نحن نسأل عنه انكما ستجدانه بفناء داره و هو رجل قد غلبت عليه الخمر فان تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا و تجدا عنده بعض ما تريدان و تصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه و ان تجداه و به بعض ما به فانصرفا عنه و دعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له و إذا شيخ كبير مثل البغاث، و إذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا اليه سلمنا عليه، فرفع رأسه الى عبيد اللَّه بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال نعم. قال أما و اللَّه ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإنّي ناولتكها و هي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك اليها فو اللَّه ما هو إلا أن وقفت عليّ فعرفتهما. قال فجلسنا اليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم و كان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش الى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس و كنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة و اتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يبهد الناس بسيفه هذا ما يقوم له شيء فو اللَّه إني لأتهيأ له أريده و أستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إليّ يا ابن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال و هززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه و ذهب لينوء نحوي فغلب و تركته و إياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت الى العسكر و قعدت فيه و لم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة هربت الى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليسلموا تعيّت على المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فو اللَّه إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل:
و يحك انه و اللَّه لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه و شهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك
خرجت حتى قدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أو حشى أنت؟ قلت نعم يا رسول اللَّه. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيّب عنى وجهك فلا أرينك،
قال فكنت