البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - كتاب بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ملوك الآفاق و كتبه اليهم يدعوهم الى اللَّه عز و جل و إلى الدخول في دين الإسلام
منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي الا ضربت عنقه، فتستريح من هذا الهم. فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع اليهم، فقال:
أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء و الإبل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه، فلما انتهى اليه قال لترجمانه: سله ما هذا الخبر الّذي كان في بلاده؟ فسأله فقال: هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي و قد اتبعه أقوام و خالفه آخرون، و قد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي و هم على ذلك. فلما أخبره الخبر قال جردوه فإذا هو مختتن فقال هذا و اللَّه الّذي قد أريت لا ما تقولون، أعطه ثوبه، انطلق لشأنك. ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له قلب لي الشام ظهرا لبطن حتى تأتى برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه، قال أبو سفيان فو اللَّه إني و أصحابى لبغزة إذ هجم علينا فسألنا ممن أنتم؟ فأخبرناه فساقنا اليه جميعا فلما انتهينا اليه قال أبو سفيان: فو اللَّه ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الأغلف- يريد هرقل- قال فلما انتهينا اليه قال أيكم أمس به رحما؟ فقلت أنا، قال أدنوه منى، قال فأجلسني بين يديه ثم أمر أصحابى فأجلسهم خلفي و قال: إن كذب فردوا عليه، قال أبو سفيان فلقد عرفت أنى لو كذبت ما ردوا على و لكنى كنت امرأ سيدا أ تكرم و أستحى من الكذب و عرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنى ثم يتحدثونه عنى بمكة فلم أكذبه، فقال أخبرنى عن هذا الرجل الّذي خرج فيكم، فزهدت له شأنه و صغرت له أمره، فقلت سلني عما بدا لك؟ قال كيف نسبه فيكم؟ فقلت محضا من أوسطنا نسبا، قال فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به؟ فقلت لا قال فأخبرني هل له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه؟ فقلت لا قال فأخبرني عن اتباعه من هم؟ فقلت الأحداث و الضعفاء و المساكين فاما أشرافهم و ذوو الأنساب منهم فلا، قال فأخبرني عمن صحبه أ يحبه و يكرمه أم يقليه و يفارقه؟ قلت ما صحبه رجل ففارقه قال فأخبرني عن الحرب بينكم و بينه؟
فقلت سجال يدال علينا و ندال عليه. قال فأخبرني هل يغدر فلم أجد شيئا أغره به إلا هي قلت لا و نحن منه في مدة و لا نأمن غدره فيها. فو اللَّه ما التفت اليها منى قال فأعاد على الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا و كذلك يأخذ اللَّه النبي لا يأخذه الا من أوسط قومه، و سألتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا، و سألتك هل كان له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه فقلت لا، و سألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الاحداث و المساكين و الضعفاء و كذلك أتباع الأنبياء في كل زمان، و سألتك عمن يتبعه أ يحبه و يكرمه أم يقليه و يفارقه فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه و كذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه، و سألتك كيف الحرب بينكم و بينه فزعمت أنها سجال يدال عليكم و تدالون عليه و كذلك يكون حرب الأنبياء