البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - ذكر الصلاة على حمزة و قتلى أحد
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين انصرف من أحد مرّ على مصعب بن عمير و هو مقتول على طريقة فوقف عليه فدعا له ثم قرأ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. الآية قال «أشهد أن هؤلاء شهداء عند اللَّه يوم القيامة فأتوهم و زوروهم و الّذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد الى يوم القيامة إلا ردّوا عليه»
و هذا حديث غريب، و روى عن عبيد بن عمير مرسلا. و
روى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأتى قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشعب قال «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار»
ثم كان أبو بكر بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يفعله و كان عمر بعد أبى بكر يفعله و كان عثمان بعد عمر يفعله.
قال الواقدي: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يزورهم كل حول فإذا بلغ نقرة الشعب يقول «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان، و كانت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تأتيهم فتبكى عندهم و تدعو لهم،
و كان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردّون عليكم. ثم حكى زيارتهم عن أبى سعيد و أبى هريرة و عبد اللَّه بن عمر و أم سلمة رضى اللَّه عنهم.
و قال ابن أبى الدنيا حدثني إبراهيم حدثني الحكم بن نافع حدثنا العطاف بن خالد حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما الى قبور الشهداء- و كانت لا تزال تأتيهم- فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء اللَّه ان أصلى و ما في الوادي داع و لا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي «السلام عليكم» قالت فسمعت ردّ السلام عليّ يخرج من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن اللَّه عز و جل خلقني و كما أعرف الليل و النهار فاقشعرّت كل شعرة منى. و
قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل اللَّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة و تأكل من ثمارها و تأوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم و مشربهم و مقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب و لا يزهدوا في الجهاد. فقال اللَّه عز و جل: أنا أبلغهم عنكم فأنزل اللَّه في الكتاب قوله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.
و روى مسلم و البيهقي من حديث أبى معاوية عن الأعمش عن عبد اللَّه بن مرّة عن مسروق قال: سألنا عبد اللَّه بن مسعود عن هذه الآية و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فقال: اما إنا قد سألنا عن ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال «أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في ايها شاءت ثم تأوى الى قناديل معلقة بالعرش، قال فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألونى ما شئتم. فقالوا يا ربنا و ما نسألك و نحن نسرح في الجنة في أيها شئنا،