البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨ - فصل
يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ* إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.
قال البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ قالوا ابن عمر فأتاه فقال انى سائلك عن شيء أ تحدّثنى. قال أنشدك بحرمة هذا البيت أ تعلم ان عثمان بن عفان فر يوم أحد قال نعم. قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك و لأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن اللَّه عفا عنه، و أما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كانت مريضة فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ان لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه، و أما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان الى مكة فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان. اذهب بهذا الآن معك. و قد رواه البخاري أيضا في موضع آخر و الترمذي من حديث أبى عوانة عن عثمان بن عبد اللَّه بن موهب به.
و قال الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول، و قد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم الى المتقى دون الأعوص، و فرّ عثمان بن عفان و سعد بن عثمان رجل من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة.
و المقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حل التحام الحرب و هذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر اللَّه و تأييده و تمام توكلها على خلقها و بارئها. و قد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ الآية و قال هاهنا ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ يعنى المؤمنين الكمّل كما قال ابن مسعود و غيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان و النعاس في الصلاة من النفاق. و لهذا قال بعد هذا. وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ الآية. و من ذلك
أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: «إن تشأ لا تعبد في الأرض»
كما
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد و عفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يقول يوم أحد: «اللَّهمّ إنك ان تشأ لا تعبد في الأرض» و رواه مسلم