البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - فصل فيما لقي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ من المشركين قبحهم اللَّه
لا أعرفه و أنا أقرب الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منه و هو يخطف المشي خطفا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد كسرت رباعيته و شج في وجهه و قد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «عليكما صاحبكما» يريد طلحة و قد نزف فلم نلتفت الى قوله قال: و ذهبت لا نزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فازم عليها بفيه فاستخرج احدى الحلقتين و وقعت ثنيته مع الحلقة و ذهبت لا صنع ما صنع فقال أقسمت عليك بحقي لما تركتني.
قال ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة رضى اللَّه عنه من أحسن الناس هتما. فأصلحنا من شأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع و سبعون من بين طعنة و رمية و ضربة و إذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه. و ذكر الواقدي عن ابن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى فروة عن أبى فروة عن أبى الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت الى النبل تأتى من كل ناحية و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وسطها كل ذلك يصرف عنه، و لقد رأيت عبد اللَّه بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت ان نجا، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى جنبه ما معه أحد فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال و اللَّه ما رايته، أحلف باللَّه انه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا و تعاقدنا على قتله فلم نخلص اليه. قال الواقدي: ثبت عندي أن الّذي رمى في وجنتي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابن قمئة، و الّذي رمى في شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبى وقاص، و قد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا و ان الرباعية التي كسرت له (عليه السلام) هي اليمنى السفلى.
قال ابن إسحاق: و حدّثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص و ان كان ما علمت لسيّئ الخلق مبغضا في قومه، و لقد كفاني فيه قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «اشتد غضب اللَّه على من دمي وجه رسوله».
و قال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الحررى عن مقسم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على عتبة بن أبى وقاص حين كسر رباعيته و دمي وجهه فقال «اللَّهمّ لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا» فما حال عليه الحول حتى مات كافرا الى النار.
و قال أبو سلمان الجوزجاني حدثنا محمد بن الحسن حدثني إبراهيم بن محمد حدثني ابن عبد اللَّه بن محمد بن أبى بكر بن حرب عن أبيه عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموى في وقعة أحد. و لما نال عبد اللَّه بن قمئة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما نال رجع و هو يقول: قتلت محمدا. و صرخ الشيطان أزبّ العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا ان محمدا قد قتل! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين و اعتقد كثير من الناس ذلك و صمموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على