البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٢ - فصل
فأميركم عبد اللَّه بن رواحة» فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح اللَّه عليه و أتى خبرهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخرج الى الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: «إن إخوانكم لقوا العدو، و إن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبى طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد اللَّه بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه خالد بن الوليد ففتح اللَّه عليه» قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتهم، ثم أتاهم فقال «لا تبكوا على أخى بعد اليوم، أدعوا لي بنى أخى» قال فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال «ادعوا لي الحلاق» فجيء بالحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال «أما محمد فشبيه عمنا أبى طالب، و أما عبد اللَّه فشبيه خلقي و خلقي» ثم أخذ بيدي فأشالها و قال «اللَّهمّ اخلف جعفرا في أهله، و بارك لعبد اللَّه في صفقة يمينه» قالها ثلاث مرات. قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا و جعلت تفرح [١] له فقال «العيلة تخافين عليهم و أنا وليهم في الدنيا و الآخرة؟» و رواه أبو داود ببعضه، و النسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به،
و هذا يقتضي أنه عليه الصلاة و السلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها، و لعله معنى الحديث الّذي
رواه الإمام أحمد من حديث الحكم بن عبد اللَّه بن شداد عن أسماء أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لها لما أصيب جعفر «تسلبى ثلاثا ثم اصنعي ما شئت»
تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب و هو المبالغة في البكاء و شق الثياب، و يكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبى أولادها و قد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب و هو المبالغة في الإحداد ثلاثة أيام، ثم تصنع بعد ذلك ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الإحداد المعتاد و اللَّه أعلم. و يروى تسلى ثلاثا- أي تصبرى ثلاثا- و هذا بخلاف الرواية الأخرى و اللَّه أعلم. فاما الحديث الّذي قال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا محمد بن طلحة ثنا الحكم بن عيينة عن عبد اللَّه بن شداد عن أسماء بنت عميس قالت دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اليوم الثالث من قتل جعفر فقال لا تحدى بعد يومك هذا. فإنه من أفراد احمد أيضا و إسناده لا بأس به و لكنه مشكل إن حمل على ظاهره لانه قد ثبت
في الصحيحين أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال «لا يحل لا مرأة تؤمن باللَّه و اليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام الا على زوج أربعة أشهر و عشرا»
فان كان ما رواه الإمام احمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الإحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم و اللَّه أعلم.
[١] في النهاية تفسيرا لهذا الخبر: فهو من أفرحه إذا غمه و أزال عنه الفرح (ثم قال) و ان كان بالجيم فهو من المفرج الّذي لا عشيرة له حتى قال لها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أ تخافين العيلة و أنا وليهم.