البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - غزوة ذي قرد
القوم الماء و هم عطاش فابعث اليهم الساعة. فقال «يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح» ثم رجعنا و ردفنى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ناقته حتى قدمنا المدينة. و هكذا رواه مسلم عن قتيبة به و رواه البخاري عن أبى عاصم السهلي عن يزيد بن أبى عبيدة عن مولاه سلمة بنحوه
و قال الامام أحمد حدّثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبيّة مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخرجت أنا و رباح غلام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بظهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرجت بفرس لطلحة بن عبيد اللَّه أريد أن أنديه مع الإبل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقتل راعيها و خرج يطردها هو و أناس معه في خيل فقلت يا رباح اقعد على هذا الفرس فالحقه بطلحة و أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قد أغير على سرحه. قال: و قمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات:
يا صباحاه! قال: ثم اتبعت القوم معى سيفي و نبلى فجعلت أرميهم و أعقر بهم و ذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلى فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل إلى فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم و أنا أقول:
أنا ابن الأكوع* * * و اليوم يوم الرضع
قال: فالحق برجل منهم فارميه و هو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه فقلت
خذها و انا ابن الأكوع* * * و اليوم يوم الرضع
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة فما زال ذاك شأنى و شأنهم اتبعهم و ارتجز حتى ما خلق اللَّه شيئا من ظهر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا و أكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها و لا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة و جمعته على طريق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم و هم في ثنيّة ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم فقال عيينة ما هذا الّذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن و أخذ كل شيء بأيدينا و جعله وراء ظهره. فقال عيينة لو لا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم اليه نفر منكم. فقام اليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت أ تعرفونني قالوا و من أنت قلت أنا ابن الأكوع و الّذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركنى و لا أطلبه فيفوتني. فقال رجال منهم ان أظن. قال فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت الى فوارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخللون الشجر و إذا أولهم الاخرم الأسدي و على أثره ابو قتادة فارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و على أثره المقداد بن الأسود الكندي فولى المشركون مدبرين و أنزل من الجبل