البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - عمرة القضاء
و أذى من سفهاء المشركين و من صبيانهم، فقدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة، و قدر اللَّه أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين، فماتت حيث بنى بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال: و أنزل اللَّه عز و جل في تلك العمرة الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فاعتمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشهر الحرام الّذي صدّ فيه. و قد روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق، و لهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ففي صحيح البخاري من طريق فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه و بين البيت، فنحر هديه و حلق رأسه بالحديبية و قاضاهم على أن يعتمر العام المقبل و لا يحمل سلاحا إلا سيوفا، و لا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج. و قال الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: لم تكن هذه عمرة قضاء و إنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الّذي صدهم فيه المشركون و قال أبو داود ثنا النفيلى ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران قال: خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة و بعث معى رجال من قومي بهدى، قال فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم، قال فنحرت الهدى مكاني ثم أحللت ثم رجعت، فلما كان من العام المقبل خرجت لا قضى عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال:
أبدل الهدى فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر أصحابه أن يبدلوا الهدى الّذي نحروا عام الحديبيّة في عمرة القضاء. تفرد به أبو داود من حديث أبى حاضر عثمان بن حاضر الحميري عن ابن عباس فذكره.
و قال الحافظ البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عمرو بن ميمون قال: كان أبى يسأل كثيرا أهل كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبدل هديه الّذي نحر حين صده المشركون عن البيت؟ و لا يجد في ذلك شيئا، حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك فقال له: على الخبير سقطت، حججت عام ابن الزبير في الحصر الأول فأهديت هديا فحالوا بيننا و بين البيت، فنحرت في الحرم و رجعت الى اليمن و قلت لي برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أسوة، فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت عليّ بدله أم لا؟ قال نعم فأبدل، فان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه قد أبدلوا الهدى الّذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء، فعزت الإبل عليهم فرخص لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في البقر.
و قال الواقدي: حدثني غانم بن أبى غانم عن عبد اللَّه بن دينار عن ابن عمر قال: جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ناجية بن جندب الأسلمي على هديه يسير بالهدى أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة