البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٩ - فصل
جرير: ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الإسلام فجلس لهم- فيما بلغني- على الصفا و عمر بن الخطاب أسفل من مجلسه، فأخذ على الناس السمع و الطاعة للَّه و لرسوله فيما استطاعوا قال فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء و فيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها لما كان من صنيعها بحمزة [فهي تخاف أن يأخذها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحدثها ذلك، فلما دنين من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليبايعهن قال «بايعننى على أن لا تشركن باللَّه شيئا» فقالت هند و اللَّه إنك لتأخذ علينا ما لا تأخذه من الرجال؟ «و لا تسرقن» فقالت و اللَّه إني كنت أصبت من مال أبى سفيان الهنة بعد الهنة و ما كنت أدرى أ كان ذلك علينا حلالا أم لا؟ فقال أبو سفيان- و كان شاهدا لما تقول- أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و إنك لهند بنت عتبة؟» قالت نعم فاعف عما سلف عفا اللَّه عنك ثم قال «و لا يزنين» فقالت يا رسول اللَّه و هل تزني الحرة؟ ثم قال «و لا تقتلن أولادكن» قالت قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت و أصحابك ببدر كبارا [١] فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق ثم قال «و لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن و أرجلهن» فقالت و اللَّه إن إتيان البهتان لقبيح، و لبعض التجاوز أمثل ثم قال «و لا يعصيننى» فقالت في معروف، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمر «بايعهن و استغفر لهن اللَّه إن اللَّه غفور رحيم» فبايعهن عمر و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يصافح النساء و لا يمس الا امرأة أحلها اللَّه له أو ذات محرم منه.
و ثبت في الصحيحين عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: لا و اللَّه ما مست يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يد امرأة قط و
في رواية ما كان يبايعهن الا كلاما و يقول «إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة»
و في الصحيحين عن عائشة أن هندا بنت عتبة امرأة أبى سفيان أتت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني و يكفى بنى فهل على من حرج إذا أخذت من ماله بغير علمه؟ قال خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك و يكفى بنيك
[٢]] [و
روى البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت يا رسول اللَّه ما كان مما على وجه الأرض أخباء أو خباء- الشك من أبى بكر- أحب الى من أن يذلوا من أهل أخبائك- أو خبائك- ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل أخباء أو خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل أخبائك أو خبائك فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «و أيضا و الّذي نفس محمد بيده» قالت يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل شحيح فهل على حرج أن اطعم من الّذي له؟ قال «لا بالمعروف» و رواه البخاري عن يحيى بن بكير بنحوه
و تقدم ما يتعلق بإسلام أبى سفيان] [٣]
[١] هذه رواية السهيليّ و في الأصول: أ فتقتلهم كبارا فأنت و هم أعلم.
[٢] ما بين المربعين لم يرد في نسخة دار الكتب المصرية.
[٣] ما بين المربعين عن النسخة التيمورية و لم يرد في غيرها.