البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - غزوة ذي قرد
فأخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم ائذن القوم- يعنى احذرهم- فانى لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه. قال: يا سلمة ان كنت تؤمن باللَّه و اليوم الآخر و تعلم أن الجنة حق و النار حق فلا تحل بيني و بين الشهادة. قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة و يعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الاخرم بعبد الرحمن و طعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة و قتله أبو قتادة و تحول أبو قتادة على فرس الاخرم. ثم انى خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا و يعرضون قبل غيبوبة الشمس الى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد فأرادوا أن يشربوا منه فابصرونى أعدو وراءهم فعطفوا عنه و أسندوا في الثنية ثنية ذي بئر و غربت الشمس و ألحق رجلا فارميه فقلت: خذها و أنا ابن الأكوع و اليوم يوم الرضع. قال فقال يا ثكل أم أكوع بكرة. فقلت نعم أي عدو نفسه. و كان الّذي رميته بكرة و أتبعته سهما آخر فعلق به سهمان و يخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو على الماء الّذي أجليتهم عنه ذو قرد و إذا بنبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في خمسمائة و إذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوى لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من كبدها و سنامها فأتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت يا رسول اللَّه خلنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال أ كنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قال قلت نعم و الّذي أكرمك. فضحك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال: انهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفانيّ فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها و خرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خير فرساننا أبو قتادة و خير رجالتنا سلمة، فأعطاني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سهم الفارس و الراجل جميعا ثم أردفنى وراءه على العضباء راجعين الى المدينة فلما كان بيننا و بينها قريب من ضحوة و في القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادى: هل من مسابق، ألا رجل يسابق الى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا و أنا وراء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مردفى فقلت له: اما تكرم كريما و لا تهاب شريفا؟ قال: لا الا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال قلت: يا رسول اللَّه بأبي أنت و أمى خلنى فلا سابق الرجل. قال: ان شئت. قلت أذهب إليك فطفر عن راحلته و ثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم انى ربطت عليه شرفا أو شرفين يعنى استبقيت من نفسي ثم انى عدوت حتى ألحقه فاصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك و اللَّه أو كلمة نحوها قال فضحك و قال: ان أظن. حتى قدمنا المدينة. و هكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه
و عنده نسبقته الى المدينة فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر. و لأحمد هذا السياق. ذكر البخاري و البيهقي هذه الغزوة بعد الحديبيّة و قبل خيبر و هو أشبه مما ذكره ابن إسحاق و اللَّه أعلم فينبغي