البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٠ - فصل
و قال أبو داود ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة: «لا هجرة و لكن جهاد و نية، و إذا استنفرتم الا فانفروا» و رواه البخاري عن عثمان بن أبى شيبة و مسلم عن يحيى بن يحيى عن جرير.
و قال الامام أحمد ثنا عفان ثنا وهب ثنا ابن طاوس عن أبيه عن صفوان بن أمية أنه قيل له إنه لا يدخل الجنة الا من هاجر فقلت له لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول اللَّه ما سأله فأتيته فذكرت له فقال «لا هجرة بعد فتح مكة و لكن جهاد و نية و إذا استنفرتم فانفروا»
تفرد به أحمد و
قال البخاري ثنا محمد بن أبى بكر ثنا الفضيل بن سليمان ثنا عاصم عن أبى عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود قال: انطلقت بابي معبد الى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليبايعه على الهجرة فقال «مضت الهجرة لأهلها أبايعه على الإسلام و الجهاد» فلقيت ابا معبد فسألته فقال صدق مجاشع.
و قال خالد عن أبى عثمان عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد. و
قال البخاري ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا عاصم عن أبى عثمان قال حدثني مجاشع قال: أتيت رسول اللَّه بأخي بعد يوم الفتح فقلت يا رسول اللَّه جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال «ذهب أهل الهجرة بما فيها» فقلت على أي شيء تبايعه؟ قال «أبايعه على الإسلام و الايمان و الجهاد» فلقيت أبا معبد بعد و كان أكبر هما سنا فسألته فقال: صدق مجاشع
و قال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبى بشر عن مجاهد قال قلت لابن عمر: أريد أن أهاجر الى الشام؟ فقال: لا هجرة و لكن انطلق فاعرض نفسك فان وجدت شيئا و الا رجعت. و قال أبو النصر أنا شعبة أنا أبو بشر سمعت مجاهدا قال: قلت لابن عمر فقال لا هجرة اليوم- أو بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- مثله. حدثنا إسحاق ابن يزيد ثنا يحيى بن حمزة حدثني أبو عمرو الأوزاعي عن عبدة بن أبى لبابة عن مجاهد بن جبير أن عبد اللَّه بن عمر قال: لا هجرة بعد الفتح. و قال البخاري ثنا إسحاق بن يزيد أنا يحيى بن حمزة أنا الأوزاعي عن عطاء بن أبى رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت لا هجرة اليوم. و كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه الى اللَّه عز و جل و الى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فاما اليوم فقد أظهر اللَّه الإسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء و لكن جهاد و نية.
و هذه الأحاديث و الآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين اللَّه أفواجا و ظهر الإسلام و ثبتت أركانه و دعائمه فلم تبق هجرة اللَّهمّ الا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب و عدم القدرة على إظهار الدين عندهم فتجب الهجرة الى دار الإسلام و هذا مالا خلاف فيه بين العلماء و لكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح، كما أن كلا من الجهاد و الإنفاق في سبيل اللَّه مشروع و رغب فيه الى يوم القيامة و ليس كالانفاق و لا الجهاد قبل الفتح فتح مكة. قال اللَّه تعالى لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ