البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٥٥ - فصل في مرجعه (عليه السلام) من الطائف و قسمة غنائم هوازن التي أصابها يوم حنين قبل دخوله مكة معتمرا من الجعرانة
و اما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن و قال حين أخذها أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا و عسى أن يعظم فداؤها، فلما رد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها عنك فو اللَّه ما فوها ببارد، و لا ثديها بناهد، و لا بطنها يوالد، و لا زوجها بواجد، و لا درها بماكد، إنك ما أخذتها و اللَّه بيضاء غريرة و لا نصفا وثيرة فردها بست فرائض] قال الواقدي. و لما قسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل أربع من الإبل و أربعون شاة و
قال سلمة عن محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن أبى بكر أن رجلا ممن شهد حنين قال و اللَّه إني لأسير الى جنب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ناقة لي و في رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يقع حرف نعلى على ساق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأوجعه، فقرع قدمي بالسوط و قال «أوجعتني فتأخر عنى» فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يلتمسنى قال قلت هذا و اللَّه لما كنت أصبت من رجل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالأمس، قال فجئته و أنا أتوقع فقال «إنك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتنى فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك منها» فأعطانى ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني،
و المقصود من هذا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق و غيره، و
ظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الّذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رد الى هوازن سبيهم قبل القسمة، و لهذا لما رد السبي و ركب علقت الاعراب برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقولون له اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه الى سمرة فخطفت رداءه فقال «ردوا على ردائي أيها الناس فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا و لا جبانا و لا كذابا» كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه
و كأنهم خشوا أن يرد الى هوازن أموالهم كما رد اليهم نساءهم و أطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها عليه الصلاة و السلام بالجعرانة كما أمره اللَّه عز و جل و آثر أناسا في القسمة و تألف أقواما من رؤساء القبائل و أمرائهم فعتب عليه أناس من الأنصار حتى خطبهم و بين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطييبا لقلوبهم، و تنقد بعض من لا يعلم من الجهلة و الخوارج كذي الخويصرة و أشباهه قبحه اللَّه كما سيأتي تفصيله و بيانه في الأحاديث الواردة في ذلك و باللَّه المستعان.
قال الامام أحمد حدثنا عارم ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبى يقول ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال: فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم النعم، قال و نحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف و على مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا قال فلم نلبث أن انكشف خيلنا و فرت الاعراب و من نعلم من الناس، قال فنادى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يا للمهاجرين يا للمهاجرين يا للأنصار؟- قال أنس هذا حديث